بقلم رئيس التحرير: مصطفى قاعود

تكشف الأخبار يومياً عن مقترحات وتحقيقات حكومية بمجملها تمس سوق العمل، والقوانين السائدة، بالتزامن مع الحديث عن اصلاحات ضريبة شاملة، وكل ذلك مازال يخرج من مغارة الاتفاق الرباعي  الذي أنتج الحكومة بعملية “ولادة قيصرية”، الاتفاق الرباعي بين حزبي الاشتراكي الديمقراطي والبيئة من التكتل المعروف باسم “الأحمر أخضر” من جهة،  وحزبي الوسط الليبرال من التحالف البرجوزي من جهةٍ أخرى.

يبدو أن ما ظهر من الاتفاق الرباعي أقل مما بطن، وما ظهر منه حتى اللحظة يعطي الانطباع بأن السويد ذاهبة نحو تغييرٍ كبير، يأمل الكثيرون وأنا منهم أن لا يمس ذلك جوهر ما يعرف “بالنموذج السويد”، والحقيقة هذه كلمة نسمعها باستمرار ولكن القليل منا يعرفون ما معنى “النموذج السويدي”، وأساسه غلبة الحياة النقابية العمالية بقوانينها المنحازة لليد العاملة، واختصاراً يعرف هذا النموذج من خلال ما يسمى “بالاتفاقية الجماعية” بين العاملين والنقابات من جهة وأرباب العمل من جهةٍ أخرى، ومنه تنبثق الكثير من القوانين التي تحمي العامل أو الموظف بالدرجة الرئيسية، علاوة عن النظام الاجتماعي الذي يحكم العلاقات البينية داخل المجتمع على أساس قيم المساواة والعدالة الاجتماعية، وكل ذلك تحت سقف الديمقراطية.

ما ظهر حتى الآن من مقترحات بدأت تهز النموذج السويدي دون أن تؤثر حتى اللحظة على جوهره، ونأمل ألا يحصل ذلك، لذا نرى اتحاد المنظمات والنقابات العمالية LO بحالة تحفز للدفاع عن القيم العمالية السويدية، على سبيل المثال لا الحصر تسجيل اعتراضه على مقترح رفع الحد الأعلى للسن التقاعدي، واعلانه خوض معركة انتخابات البرلمان الأوروبي تحت شعار مواجهة تقدم القوى اليميينية الفاشية والعنصرية في أوروبا، خاصة بعد اعلان ديمقراطي السويد دخولهم على خط تلك الانتخابات، بعدما كانوا ينادون بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكي يرفع سقف مواجهة النموذج السويدي العمالي من خلال الاتحاد الأوروبي وتغييرأوروبا ذاتها عبر جهود مشتركة مع الاحزاب الأوروبية ذات الأيدولوجية القومية اليميينية المتطرفة.

بعض الإشارات لا تبشر بمستقبلٍ واعد لسوق العمل كما يرد  في تبرير بعض المقترحات، ومن تلك الإشارات السلبية هي موجة التسريحات الجماعية، التي بدأتها الحكومة وربما فتحت شهية القطاع الخاص، الذي كان يتردد قبل اتخاذ أي خطوة من هذا القبيل.

فبغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء الإعلان عن تسريح 4500 موظف من مكتب العمل، إلا أن هذا بتجرد هو تسريح جماعي لا عواقب وخيمة، ليس أقلها أن لا أحد يستطيع القول بعد ذلك لشركات القطاع الخاص لا للتسريح الجماعي عندما تعلق الحكومة الجرس وتكون هي البادئة، بدلاً من أن تكون هي المانعة. لذا لم يك مستغرباً ان يتلو ذلك اعلان عدة شركات خاصة كبيرة عن الاستغناء عن المئات من عمالها، حيث أعلن مشفى كارولينسكا عن إقالة 400 موظف من موظفيه البالغ عددهم 16 ألف موظفيه، مبرراً ذلك بأن المشفى يريد ادخار مبلغ مليار كرونة، وسبقه في ذلك متاجر متاجرICA  بإقالة 200 من موظفيها، لادخار مبلغ 180 مليون كرونة ولتعزيز الأتمتة ومجاراة السوق، وقبل ذلك أيضاَ أعلنت شركة كلاس أولسون أنها تنوي الاستغناء عن  200 موظف، أما دائرة الهجرة فقد بدأت هذه الحملة العام الماضي، وحالياً تخطر 92 موظفاً بالاستغناء عنهم لينضموا إلى ركب زملائهم، أيضاً تجرأت شركة فولفو العملاقة على الإعلان عن إلغاء الحوافز لموظفيها عن  العام 2018، وقبل كل ذلك أعلنت الحكومة  الجديدة تخليها عن هدف الوصول إلى أدنى معدل بطالة على مستوى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، كل ذلك جرى في أجواء إعلان مكتب العمل عن حاجة سوق العمل السويدي إلى 100 ألف موظف للسنوات الخمس القادمة، وحديث متواصل عن الاصلاحات الضريبية وتعزيز سوق العمل. من حق من يراقب تلك المعطيات أن يطرح الكثير من الأسئلة ليس أقلها سؤال كيف ينسجم ذلك مع المقرحات والوعود بتحسين سوق العمل؟ وليس أخرها سؤال النموذج السويدي إلى أين.

 

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.