تفاهمات حكومية عابرة للكتل وثلاث معارضات غير متجانسة

Swedish government

تذكروا اتفاق ديسمبر 2014 وما أشبه اليوم بالأمس

بقلم: رئيس التحرير مصطفى قاعود

اخيراً خرجت الحكومة السويدية من عنق الزجاجة ومن رحم تفاهماتٍ عابرة للكتل، فرضها الواقع الذي أفرزته نتائج الانتخابات التي جرت في التاسع من أيلول سبتمبر، والتي كان متوقع أن تحدث تغييراً كبيراً في الخارطة السياسية السويدية.

إنها البداية لمسيرة أربع سنواتٍ وربما أكثر ضمن حسابات الخريطة السياسية الجديدة، أي تشكيل الحكومة وفقاً لاتفاقٍ رباعي أو خماسي إن صح التعبير فيما لو أخذنا بعين الاعتبار التفاهمات التي أبرمت في ربع الساعة الأخيرة بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار الذي أعطى شارة إطلاق سراح الحكومة من عنق الزجاجة في اللحظة الأخيرة، دون أن يكون طرفاً في التكتل الرباعي الجديد الذي أنتج التفاهمات الحكومية، والذي ضم إلى جانب الاشتراكي الديمقراطي والبيئة من تحالف “الحمر، الخضر” حزبي الوسط والليبرال من التحالف البرجوازي.

عادت الحكومة لتتشكل كما سابقتها من حزبي الاشتراكي الديمقراطي والبيئة، ولكن هذه المرة تحت سقف اتفاقٍ رباعي عابر للكتل وضع شروطه على عمل الحكومة في الفترة البرلمانية الممتدة من عام 2018 إلى عام 2022، ولكن بالنظر إلى حجم التفاهمات التي أبرمها ستيفان لوفين في الفترة البرلمانية السابقة سنجد أن الفارق ليس كبير، حيث قال لوفين عشية الانتخابات أن الفترة البرلمانية الممتدة من عام 2014 حتى عام 2018 شهدت إبرام 37 تفاهم حكومي مع أحزابٍ مختلفة سواءً من التكتل “الاحمر أخضر” أو من التحالف البرجوازي أليانسن، باستثناء ديمقراطي السويد، كما لا يجب أن ننسى أن الحكومة السابقة أيضاً جاءات نتيجة تفاهمات حيث كان لوفين قد أعلن بسبب تعثر التصويت على الموازنة أن البلاد سوف تذهب نحو انتخاباتٍ جديدة في ربيع عام 2015، لولا إبرام تفاهم ديسبمبر الشهير مع التحالف البرجوزي الذي مرر الموازنة وجنب البلاد مغبة إعادة الانتخابات، وجديرٌ بالذكر أن إتفاقية ديسمبر عقدت بين الحكومة المكونة أنذاك من الاشتراكي الديمقراطي والبيئة والتحالف البرجوازي المعارض، وتنص على أن التحالف المعارض يصوت فقط على مقترح الميزانية الخاص به، عند اعادة التصويت ، كي تتمكن بدورها حكومة الأقلية من تمرير ميزانيتها الخاصة، وقد تم الاتفاق على ذلك في 27 ديسمبر كانون الاول، عام 2014 ، بين جميع أحزاب البرلمان ماعدا حزبي ديمقراطيو السويد واليسار. وهذا يعني أن حكومة الحمر والخضر كما سميت تقود البلاد لفترة محددة، ولكن بميزانية التحالف البرجوازي المعارض والمكون من احزاب الوسط، المحافظين المسيحي الاشتراكي والليبرالي.

ما حصل الآن تقريباً يشبه ما حصل في عام 2014، حيث استبق حزبا المحافظين والمسيحي الديمقراطي تشكيل الحكومة وعرضا موازنتهما الخاصة وحصلا على دعمٍ ربما غير متفق عليه من حزب ديمقراطي السويد، وتم تمرير الموازنة للعام 2019 لحكومة تسير الأعمال قبل تشكيل الحكومة الحالية الدائمة، ووصفت تلك الموازنة بالكارثة، لما ستتركه من أثر على سوق العمل خاصة برامج إدخال القادمين الجدد إلى سوق العمل.

اليوم نحن أمام خريطة سياسية معقدة ومتداخلة مما ينبئ بأن اتخاذ القرارات سوف يمر بمسارٍ معقد يشبه إلى حدٍ ما المسار الذي دخلته الحكومة التي استغرق تشكيلها 131 يوماً. من جهة لدينا حكومة أقلية من حزبي البيئة والاشتراكي الديمقراطي مكبلة بتفاهمات مع حزبين من التحالف البرجوازي هما الوسط والليبرال، ومن جهةٍ أخرى لم تنقطع صلة الاشتراكي الديمقراطي والبيئة مع حليفهما حزب اليسار الذي يعتبر اليوم معارضة قامت بتمرير الحكومة بشكلٍ مشروط ومن أهم شروطه عدم المساس بساسة الإيجار وقوانين العمل، وهما شرطان مضمنان للاتقاق الرباعي، كما أن حزبي الوسط والليبرال لم يقطعا علاقتهما بالتحالف البرجوازي الذي يضم إلى جانبهما حزب المحافظين والمسيحي الديمقراطي، رغم إعلان البعض موت هذا التحالف، أيضاً لا ننسى وجود معارضة مستقلة قائمة بذاتها وهي حزب ديمقراطي السويد المعادي للمهاجرين، والذي يحاول فك عزلته عبر تقديم دعم مجاني لحزبي المحافظين والمسيحي الديمقراطي، كما حصل في التصويت على الموازنة، ويمكن أن يحصل في أي لحظة يريد فيها الحزبان اعاقة عمل الحكومة ومحلولاتها تمرير بعض القرارات التي تحتاج إلى تصويت البرلمان. إذاً لدينا حكومة محكومة بتفاهمات عابرة للكتل وثلاث معارضات غير متجانسة، إنها خريطة حزبية تضع النموذج السويدي في مهب الريح. ولكن هل ما حصل اليوم سوف يترك أثره على الناخبين في عام 2022 على فرض تمكن الحكومة من الاستمرار إلى ذاك الاستحقاق.

 



الموضوع السابقفيلم “أحمد مريم” يرسم دمعة على خد مالمو
الموضوع التاليالطقس الأسوأ لم يصل بعد – السويد