عن الشعبوية وصعود اليمين

aktarr design

يكثر استعمال مصطلح الشعبوية مؤخراً للإشارة إلى الخطابات التي تداعب مشاعر الجماهير وتحديداً اليمين المتطرف الذي لا يأبه باستعمال مغالطات منطقية في حججه ودعايته السياسية بعيداً عن تثبيت آرائه بحقائق صلبة.

المصطلح الذي سيكون له مساحة أكبر وأوسع في السنوات القادمة مع استمرار صعود اليمين في مختلف أنحاء العالم ليس جديداً في الساحة السياسية لكنّه تعرّض لتحولات في الاستخدام جعلته ملاصقاً لنقد اليمين.

تاريخياً المصطلح أصله يساري، حيث كان اسماً لحزب المزارعين والعمال الأمريكي الذي تأسس في نهايات القرن التاسع عشر مع ارتفاع نسب الفقر بين الفلاحين والعمال الذين أثقلتهم الديون وظروف العمل الصعبة، حيث حاولوا عبر الحزب الشعبي أن يعيدوا موازين توزيع الثروة في البلاد بعد أن سيطر عليها فئة قليلة من المحتكرين.

الحزب اليساري الزراعي وعلى الرغم من إيمان البعض فيه بضرورة التحالف مع الفقراء السود، إلا أنهم حملوا ميولاً للاقتناع بنظريات مؤامرة أحاطت باليهود والأجانب في ذاك الوقت.

جرى حل الحزب قبل 8 سنوات من الثورة البلشفية في روسيا التي قام على أساسها الاتحاد السوفيتي، وتفرّق منتسبوه بين الأحزاب الأخرى لكن المصطلح بقي متداولاً.

الأحزاب التي تحمل اسم الشعب والشعبية كثيرة، فهناك الحزب الكندي والأوروبي والباكستاني وحتى الأردني، كما أن الصين اسمها جمهورية الصين الشعبية.

في الواقع مضمونه ليس سلبياً، فالمصطلح مشتق من كلمة شعب، وفي حين أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، فالانتخابات والاستفتاءات والوسائل التي تمنح الشعب دوراً مباشراً في العملية السياسية أمور شعبوية بامتياز.

لكن مفهوم الشعبوية المعاصر يعني بشكل أدق معاداة النخبة أو النظام السائد، ولو كان ذلك عبر بهدف تحقيق رصيد قبول واستحسان عالي لدى الجماهير، ولو كان ذلك على حساب المنطق عبر استخدام مغالطات منطقية أهمها مغالطة الحجاج الجماهيري والتي تعتبر أن الفكرة صحيحة إذا كانت رائجة بين الناس.

الحركات الشعبوية الحالية تحمل عداء للعولمة وللنظام النيولبرالي الحالي والسوق الحر المفتوح، ولا تقبل باحتكار الحكم من قبل النخب السياسية، الأمر الذي يجعل حركات من أقصى اليمين وأقصى اليسار تتقاطع في الكثير من النقاط.

حالة التقاطع واضحة في حالة الائتلاف الحاكم في إيطاليا حالياً، بين كل من تحالف حركة الخمسة نجوم التي تنتهج مبادئ متعلقة بالديمقراطية الالكترونية المباشرة والاستدامة وخفض التكلفة والإنتاج، مع رابطة الشمال القومية المعادية للاحتكارية والنخبوية.

في حالة القومية العرقية فترامب خير مثال للشعبوية، في تصرفاته يبدو أنه يسعى لسحب الولايات المتحدة من المشهد الاقتصادي المتعولم عبر المزيد من جمارك على المستوردات من مختلف أنحاء العالم، ممزوجاً بالكراهية للأجانب والمهاجرين والانحياز للبيض.

معاداة العولمة لا تجعل من اليمين القومي اشتراكياً، ولا تجعل من اللاعنفيين مقتنعين بالعدالة الاجتماعية عالمياً، لكنّهم بالعادة ثلّة من البرجوازيين والأثرياء الذين يستغلون مخاوف الناس وآمالهم بالحصول على حياة أفضل لكسب تأييدهم، وهو ما يحتاج للكثير من الوعود الكاذبة.

النقد الموجه للشعبوية دوماً هو أنها تتيح مجالاً للدهماء بالتدخل في شؤون لا يفقهون بها مما سيكلف الدول والمجتمعات كثيراً بعد أن تُقاد الدولة عبر مجموعة كبيرة من غير المختصين، خصوصاً وأن النخب كانت تأمل بتحول الحكومات نحو التكنوقراط والوزراء ذوي الاختصاص كبديل للحكومات البيروقراطية والسلطوية.

بالنسبة لي، فإن مزّيكا الصبي الذي يعمل لدى المعلم طربقها الجزّار في مسرحية المتزوجون حسم مشهد الشعبوية مبكّراً، مزّيكا حينها قال “انا افهم في السياسة..أنا الشعب!”، وأجاب عن رأيه بسياسة الوفاق (والتي كانت مطرح نقاش حول مدى نجاحها في تخفيف المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فترة العرض الأول للمسرحية نهاية السبعينات)، أجاب نجاح الموجي بأن سياسة الوفاق تعني “نيال من وفّق راسين بالحلال”، وفعلاً هكذا سيكون رأي “الشعب” بالكثير من القضايا المصيرية والمحورية التي لا مجال فيها للتكهنات عدم الاختصاص.

قد يكون مضمون المصطلح منضوي على إيجابيات بداخله مثل نقد النظام العام والعولمة، لكنّي لستُ مع ترك إدارة مؤسسات الدول للتصويت المباشر للشعب الذي لا يعلم شيئاً عن إدارة هذه المؤسسات، خصوصاً وأن الناس يفضّلون الإشاعة على الحقيقة.

بقلم الصحفي أحمد أبو حمد