aktarr design

ما السبيل إلى العمل؟

تكتسي الاحتفالات في عيد العمال بعموم السويد أهمية خاصة لا يكاد يضاهيها سوى الاحتفال بالعيد الوطني، ففي الأول من أيار تنظم المسيرات والاحتفالات في عموم المدن السويدية، تعبيراً عن احترام الشعب السويدي للقيم والمنجزات العمالية.

هذا العام يكتسي الأول من أيار أهمية خاصة في السويد، خاصة بعد التعديلات الدراماتيكية على سوق العمل التي أدخلها اتفاق يناير الرباعي الذي أنتج الحكومة، وابرم بين أحزاب الاشتراكي الديمقراطي والبيئة من التحالف أخضر أحمر، والوسط والليبرالي من التحالف البرجوازي. تعديلات كبيرة طالت قوانين سوق العمل، مكتب العمل، ومن المتوقع أن تصل إلى نظام الضرائب والمساعدات المقدمة لأرباب العمل لتشغيل القادمين الجدد، وهناك مخاوف من أن تمس أساس القيم العمالية في السويد خاصة ما يتعلق بقوانين الاتفاقية الجماعية، ومنها أيضاً ما يتعلق ببيئة العمل.

بالنسبة للقادمين الجدد وأنا واحد منهم اعتدنا منذ قدومنا للسويد أن نشارك بمسيرات واحتفالات الأول من أيار، انطلاقاً من كونها مظاهر احتفالية تتم بزخمٍ لم نشهده في بلادنا من قبل، لكن بعد مرور عدة سنوات ومع التعقيدات الكثيرة والعقبات التي تواجه دخول القادمين الجدد إلى سوق العمل، قد يصبح لهذه المشاركة بعيد العمال نكهة خاصة بالنسبة لنا، فإن كان لدى الطبقة العاملة السويدية هموم تتعلق بالرفاهية وبيئة العمل، بالنسبة للقادم الجديد الهموم أكبر إذ تتعلق بالحصول على العمل من جهة، والشعور بالأمان والاستقرار الوظيفي من جهة أخرى، كثيرون دخلوا سوق العمل بموجب العقود المدعومة، ولكن القليل منهم تمكنوا من الاستمرار بعد انتهاء فترة الدعم، ناهيك عن أن العقد الدائم أصبح بالنسبة للكثيرين حلم بعيد المنال أو ربما مستحيل التحقق، علاوة عن قضاء الكثير منهم لفترات بركتيك طويلة وكثيرة دون طائل وغالباً دون وعود بالحصول على وظيفة، أصبح القادم الجديد محط انشغال العديد من السياسيين والهيئات الخاصة والعامة، لكن النتائج أقل بكثير مما ينفق في هذا المجال، نعم عيد العمال بنكهة اللجوء اليوم مجبول بسؤال ما هو السبيل إلى العمل؟

إنه الأول من أيار الذي بمثله عام 1886 نظم العمال في شيكاغو ومن ثم في تورنتو إضرابا عن العمل شارك فيه ما بين 350 و 400 ألف عامل، طالبوا فيه بتحديد ساعات العمل تحت شعار “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع”، الأمر الذي لم يَرق للسلطات وأرباب العمل خصوصا وأن الدعوة للإضراب حققت نجاحا كبيراً وشلت الحركة الاقتصادية في المدينة، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عدداً منهم، ثم ألق مجهول قنبلة في وسط تجمع للشرطة أدى إلى مقتل 11 شخصا بينهم 7 من رجال الشرطة واعتُقِلَ على إثر ذلك العديد من قادة الحركة العمالية، وحكم على 4 منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن لفترات مُتفاوتة. كان الجلاد ينفذ حكم الإعدام بالعمال الأربعة فيما كانت زوجة اوجست سبايز أحد العمال المحكوم عليهم بالإعدام تقرأ خطابا كتبه زوجها لابنه الصغير جيم ” ولدي الصغير عندما تكبر وتصبح شابا وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنى بريء. وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت، عندما تكبر ستفخر بابيك وتحكى قصته لأصدقائك”.

نعم بعد ذلك أصبح هذا اليوم هو اليوم العالمي للطبقة العاملة، وقد حققت الكثير من الإنجازات، ولكنها لم تسلم من الأزمات الاقتصادية العالمية المتتابعة، ولم تكن النتائج المتحققة متوازية في جميع دول العالم، فما زال العمال في بعض الدول يعيشون حالة حرمان من الحقوق التي تتمتع بها الطبقة العاملة في الكثير من الدول مع صعود الاحتكارات العالمية والشركات الكبرى العابرة للدول والقارات، أصبحت هموم الطبقة العاملة ومخاوفها مختلفة، ناهيك عن تهديد التكنولوجيا لعشرات المهن، وبالفعل هناك العديد من المهن بدأت تختفي وأخرى مهددة بالانقراض على المدى القريب والبعيد، ولكن تبق هموم الطبقة العاملة في الدول التي تعاني من حروب ونزاعات أو يقبع شعبها تحت الاحتلال مثل الشعب الفلسطيني، تبق أكثر صعوبة وتعقيدا، كذلك الحال بالنسبة للمهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا ودول مختلفة من العالم، إذ أصبح الكثير منهم عرضة للاستغلال والعمل الأسود بلا حقوق تذكر ولا أي نوع من أنواع الحماية.  اليوم تنطلق الاحتفالات في العالم وفي السويد بعيد العمال، نحن القادمون جدد نتساءل ما الذي سوف يقوله السياسيون في خطبهم بشأن معضلة دخولنا سوق العمل وشعورنا بالأمان الوظيفي.

بقلم رئيس التحرير مصطفى قاعود