لماذا لا ينشر صديقي الصحفي تسجيلات وصوراً لحرق المصحف؟

-

اكتر-مقال رأي : ما تزال السويد في عين العاصفة إثر إقدام متطرفين دنماركيين على حرق وإهانة الكتاب الأقدس عند المسلمين. لكن صديقي الصحفي اختار منذ البداية ألا ينشر تلك التسجيلات والصور التي توثق عملية الحرق أو يساهم في تداولها. فلماذا قرر ذلك؟

لطالما واجهت وسائل الإعلام على مستوى العالم معضلة نشر وإعادة نشر مواد لها حساسيتها بالنظر إلى ما قد تنجم من عواقب عن ذلك. وتتفاعل تلك المعضلة مع تخبّط في آراء أفقي وعمودي في المجتمعات. فلكل فرد رأيه ولا يمكن فرض الرأي في مجتمعات لجأنا إليها هرباً من فارضي آرائهم.

ومثال تلك المعضلة في وسائل الإعلام نشر صحيفة “يولاندس بوستن” الدنماركية في أيلول (سبتمبر) عام 2005 رسوماً كاريكاتورية تسخر من الإسلام ونبيه محمد بن عبد الله. وبرغم أن تلك الرسوم أثارت حفيظة المسلمين في حينه، إلا أن السخط لم يبلغ أوجه إلا بعد إعادة نشر الرسوم في صحف أوروبية أخرى ما أفضى إلى احتجاجات وحملات مقاطعة للبضائع الدنماركية وحرق سفارات أوروبية كنت شاهد عيان على إحداها في العاصمة السورية دمشق.

كما نستذكر نشر أسبوعية “شارلي إبدو” الفرنسية رسوماً كاريكاتورية ساخرة من نبي الإسلام وهو الأمر الذي أدى في اليوم التالي — 7 كانون الثاني (يناير) 2015 — إلى هجوم مسلح على مبنى الصحيفة في العاصمة الفرنسية راح ضحيته 12 شخصاً من موظفيها.

واليوم تُنشر مواد مصورة لحرق وإهانة المصحف، الكتاب الأقدس عن المسلمين، في مدينة مالمو جنوب السويد ولاحقاً في العاصمة النرويجية أوسلو.

وبالمناسبة، فإن حرق المصحف مؤخراً في السويد جرى في حدثين منفصلين وتم نشر التسجيلين المصورين في نفس الوقت. أحدهما في زاوية ميّتة من حي “روزنغورد” وانتشر كالنار في الهشيم، والآخر كان أقل شهرة حيث أحرق الفاعل الذي تحدث بالسويدية المصحف على شرفة منزل من دون  يُفصح عن الزمان والمكان. كما جرت إهانة المصحف في ساحة “ستورتوريت” الرئيسية في مالمو، لكن الشرطة منعت حرقه.

ومع أن السويد ما تزال في عين العاصفة، إلا أن صديقي الصحفي اختار ألا ينشر تلك التسجيلات والصور أو يساهم في تداولها. فلماذا قرر ذلك؟

قبل الإجابة عن السؤال، شرح لي صديقي باقتضاب ما قام به خطوة بخطوة. حيث استطاع منذ اللحظات الأولى للحدث أن يعثر على المصادر الأساسية لتلك المواد على وسائل التواصل الاجتماعي. حدد بدقة هوياتها المغمورة وشبكاتها المحدودة. مصادر لم يسمع بها من قبل، ولا يلتفت إليها أحد، فيما يحشد القائمون عليها ويهولون ويهاجمون بشراسة شخصيات عامة رفضت بشدة حرق الكتب مثل رئيس وزراء السويد الأسبق كارل بيلت.

ثم نشر صوراً تُعطي لمحة عن الحدث ولا تشمل طريقة إهانة المصحف. وأرفقها بوصف سريع للحادثة بالعربية والسويدية والإنكليزية ومن دون أن يضع رابطاً أو يشير بالاسم لتلك المصادر المغمورة. وأعلَم عبر خاصية “الإشعار” (tag) أهم وسائل الإعلام والشخصيات والمنظمات العالمية المعنية مفضّلاً أن يكتب اعتذاراً عن عدم نشر الصور والفيديوهات التي تسيء إلى مشاعر فئة واسعة داخل السويد وخارجها. ثم تواصل مع زملائه حول العالم ليعلمهم بما حصل ويتيح نفسه لتزويدهم بالمعلومات حال ورودها.

فلماذا قرر الصحفي ألا ينشر أو يساهم في تداول مواد حَسِبَ أنها قد تثير غريزة القارئ أو المشاهد؟

يدرك صديقي حجم التهديدات السياسية والاجتماعية التي قد تترتب على نشر مواد حساسة كتلك. كما أنه يعرف ما يمكن أن تؤول إليه الأمور لاحقاً خصوصاً وأن أرواحاً بريئة قد تُزهق من جراء غضب ينجم عنه رد فعل غير محسوب، وما سيترتب على الناشر لاحقاً من تبعات أخلاقية وربما قانونية. واعتبر صديقي في هذه الحالة، ومن زاوية مهنية بحتة، أن “ناقل الكفر قد يكون أشدّ كفراً من الكافر ذاته”.

ويعود قراره، كما قال، لمرجعيتين: أخلاقية ومهنية.

فأما الأخلاقية فهي حرصه على حماية أرواح الناس ومصالحهم من ردود فعل غير مرغوبة.

يقول: “أدرك شعور الاستفزاز الذي سيكتنف الناس جراء إهانة المصحف، ذلك الاسم للمكتوب من القرآن؛ المجموع بين دفتين. كما أدرك منزلة القرآن الذي يؤمن المسلمون أنه كلام الله المكتوب في المصاحف.”

ويتحدث صديقي هنا عن حوالي 1.8 مليار إنسان مسلم أي 24.1 بالمئة من مجموع سكان الكرة الأرضية. وللقارئ أن يتخيل حجم التحشيد الذي قد يُقدِم عليه من ينشر مواد كتلك من دون استراتيجية واضحة.

ويتابع صديقي أنه رأى في عدم النشر مواد مهينة للمصحف “حماية للممتلكات والمرافق العامة التي ما كانت قائمة لولا أموال دافعي الضرائب الذين من نافل القول أن من بينهم مسلمين.”

وأما مرجعية صديقي المهنية فتقوم على إخضاع كل مادة وصورة إلى تدقيق وفحص من حيث المصدر والمكان والزمان والأشخاص، ثم النظر من جديد في تبعات نشر تلك المواد أمام جمهور متنوع المستويات والنفسيات والمرجعيات؛ حتى لو افترضنا أنه يعتنق ديناً واحداً.

“حين شاهدت فيديوهات حرق المصحف،” يتابع صديقي، “حددت مكان الحادثة وساعة نشر المادة، ولكنني لست متأكداً من هوية الأشخاص الذين قاموا بالفعلة ولا من توقيت تصويرها — فيما عدا ما جرى تصويره في “ستورتوريت” الذي نقلته وسائل إعلام مرموقة.”

فالمنطق يقول أنه لا يكفي أن يقول شخص ظاهر في الفيديو إن تاريخ التصوير هو كذا من دون أن يُظهر ما يُثبت كلامه. إذن، فالأمر أكثر تعقيداً مما يبدو.

ويختم: “لذلك فضلت ألا أنشر مادة لست متأكداً من محتواها، بل أن أنشر ما تأكدت منه من دون أن يكون محرّضاً بأية طريقة.”

خشيت أن يكون ما قام به صديقي من عدم نشر لتلك المواد نوعاً من ممارسة “الرقابة الذاتية” التي تتمثل بمراقبة خطاب الذات بدافع الخوف من حساسيات أو تفضيلات للآخرين أو مراعاة لذلك ومن دون ضغط صريح من أي حزب أو مؤسسة بعينها تمتلك سلطة ما.

وحين سألته عن ذلك قال: “ينبغي أن يتوخى الناشر الحذر والدقة، سواء أكان صحفياً أم صحفياً مواطناً أم مسخدماً عادياً لأدوات النشر. فأنا أحتفظ بحقي بنشر وإعادة نشر تلك المواد مرة أخرى في وقت لاحق. لكن التوقيت ولحظة الحدث ألقيا عليّ مسؤولية الامتناع عن النشر والاكتفاء بالحديث والكتابة بلغة مضبوطة عن الحادثة.”

بقلم محمد فارس

المزيد من الأخبار

عدد الوفيات:

5,934
Updated on 10/29/2020 9:00 pm

عدد المتعافين:

115,233
Updated on 10/29/2020 9:00 pm

عدد المصابين:

121,167
Updated on 10/29/2020 9:00 pm

كوفيد-19 في السويد

الأكثر قراءة

أخبار فيروس كورونا