مكتب العمل ما له وما عليه وعندما يغدو “كبش فداء”

Aktarr design ارشيف

بقلم رئيس التحرير مصطفى قاعود

بدايةً ولكي لا أغرد خارج سرب الجمهور العريض الذي وجه انتقادتٍ كثيرة لمكتب العمل، أتفق مع كل الملاحظات التي تقول أن مكتب العمل مقصر، ولم يستثمر كل الإمكانيات المتاحة لإدخال العاطلين عن العمل إلى سوقه. وأزيد من البيت شعراً بأن بعض الموظفين أصابهم الترهل ولم يقوموا بواجبهم كما يجب، وبعضهم أظهر جهلاً في مجال عمله وأرسل الناس في الطريق الخطأ، أقول البعض وليس الكل فهناك كثيرون عملوا بمنتهى الإخلاص، لا بل بذلوا جهوداً إضافية لسد ثغراتٍ نابعة من تقصير أو جهل بعض زملائهم. ثم أن مكتب العمل لم يعمل وينظم شؤون العاطلين عن العمل بمقتضى قاعدة بياناته الخاصة.

ولكن ليس من الحكمة أن يهلل البعض للتسريح الجماعي الذي حصل في ليلةٍ وضحاها لحوالي 4500 موظف في مكتب العمل أي ثلث موظفيه، فهذه بحد ذاتها كارثة أيضاً على المستوى الإنساني، عندما ترسل هذا العدد الكبير لينضم إلى ركب العاطلين عن العمل. وأكثر من ذلك هذه القرارات المفاجئة تحول مكتب العمل إلى كبش فداءٍ لمعضلاتٍ أكبر منه، مشكلة البطالة وسوء تنظيم سوق العمل وتعثر سياسة الاندماج هي مشكلات قائمة بذاتها، سواء عند الحديث عن قصور مكتب العمل أو بدونه. ليس من المنطق التعمية على مشكلاتٍ كبيرة بفشة خلق بهذه المؤسسة أو تلك.

البطالة ليست وليدة اليوم في السويد وعموم أوروبا، وليس لها علاقة أيضاً بقدوم كم كبير من اللاجئين ولو أن الأمر أضاف بعض الأعباء، إلا أن مجيئ اللاجئين في الحقيقة هو جزء من الحل وليس جزء من المشكلة، ففي السويد على سبيل المثال كان الحل للخروج من أزمة سوق العمل التي ضربت أوروبا وأمريكا أواخر الستينات ومطلع السبعينات، لأسباب عديدة منها حلول التكنولوجيا مكان العمالة البشرية، وتغول شركات العولمة الاحتكارية، كان الحل في السويد هو توسيع قطاع الخدمات والرعاية على اختلافها، وهذا عزز حاجة سوق العمل لليد العاملة، اللاجئون هم جزء من الحل الذي لم يسقط من السماء ولكن نتيجة ظروفهم الإنسانية الناجمة عن الحروب والنزاعات، والأزمات التي تعاني منها بلدانهم على اختلافها اجتماعية واقتصادية تنموية. بيد أن المشكلة تكمن في تأطير وتنظيم وتدريب اليد العاملة وتوجيهها بشكلٍ منظم نحو النقص المحدد في سوق العمل، أو توسيع قطاعات أخرى تستوعب المهن القادمة، أو تأهيل من ليس لديه مهنة معينة، ولكن حالة من الفوضى في تنظيم سوق العمل كانت سيد الموقف، مكتب العمل مع الأسف أسهم في تعزيز حالة الفوضى ولم يسهم في حلها، ولكن ليس هو وحده من يتحمل تلك المسؤولية عن ذلك، بل التخطيط على مستوى الدولة من جهة وعلى مستوى البلديات بشكلٍ أساسي. ولا نغفل طبعاً الدور السلبي النابع من جشع بعض أرباب العمل، وسوف أتي على ذلك. ولكن أولاً أين أخفق مكتب العمل؟

عندما تدخل إلى صفحة مكتب العمل وتحديدا عند البحث عن وظائف شاغرة، إذا اخترت وظيفة معينة يمكنك أن تجد معلومات عن حاجة سوق العمل لتلك الوظيفة، وأحياناً تجد خريطة بألوان تدل على أي المناطق بحاجة أكثر من غيرها لهذه المهنة أو تلك، طبعاً لمن ذاكرته خضراء تم تدريس ذلك للقادمين الجدد في دورات المجتمع، فعلى سبيل المثال مهنة ممرض أو ممرضة ومساعدة ممرض ستجد أن هذه المهنة ليس عليها منافسة لخمس سنوات، وسوف تجد مهن مثل ميكانيك السيارات ليس عليها منافسة على الإطلاق، وهكذا والأمر طبعاً لا يقتصر على هاتين المهنتين، هناك العديد من المهن التي تعاني من نقص شديد في اليد العاملة. ما أريد قوله هنا أن مكتب العمل لم ينظم دورات تدريبية كافية موجهة وفقاً لحاجة السوق، ولم يعمل هو بمقتضى قاعدة البيانات التي يوفرها هو على صفحته، وكأن قاعدة البيانات هذه موجودة للقول أننا نجري دراسات مستمرة على سوق العمل، لكن ليس لتوجيه خططنا مع الأسف، فكيف يريد مكتب العمل من قادم جديد أن يتتبع تلك الخريطة وقاعدة البيانات بمفرده. ما يحصل أن المسؤولين أصبحوا مجرد مراقبين على حركة الناس هل يذهبون للدوام حيث أرسلوهم أم لا، لكي يقرروا إذا ما كانوا سيتقاضون راتب أم لا، أصبحوا جهاز بيروقراطي يتحكم بنشاط الناس، بعض المسوؤولين لكي يسطروا انجازاً يرسلون الأشخاص إلى بركتيك لا علاقة له بمهارتهم، بل ويعرفون أنه في نهاية المطاف رب العمل لن يمنح هذا الشخص فرصة عمل، إذا لما ترسله بالاتجاه الخطأ!  وتهدر وقته وأموال الدولة المخصصة للتأهيل.

ومن جهةٍ أخرى التخطيط على مستوى البلديات لم يهدف إلى استحداث تدريب وتأهيل ينتاسب مع حاجة سوق العمل في كل بلدية على حدة، كما لم يتم توجيه صحيح للعقود المدعومة مثل إكسترا شنست وغيرها، هذه العقود أوجدت لم لديهم تعليم متدني وليس هناك في سيرتهم الذاتية ما يشجع أرباب العمل على توظيفهم، ما حصل أن 50% أو أكثر من هذه العقود اعطيت لحملة الشهادات الجامعية، وهذا خطأ مكتب العمل، لكي يشجع أرباب العمل ويسطر أنجازات، في حين حرم من توجه لهم هذا البرنامج من فرصهم، أما العقود الأخرة مثل انستغس يوب ونيسترات يوب، لم توضع لها شروط تلزم أرباب العمل باستمرار الناس في العمل بعد انتهاء فترة الدعم، بل ترك لأمر لجشع أرباب العمل الذين يستسهلون تسريح الناس والحصول على غيرهم من مكتب العمل. بينما هذه البرامج بالأساس تدعم رب العمل لكي يرسخ الشخص في سوق العمل ويحصل في النهاية على عقد ثابت، وليس لتشغيل الناس لفترةٍ محدودة.

المشكلة أن كل تلك الأمور تركت تتراكم والآن يلق باللوم على مكتب العمل، نعم كل شيئ بحاجة إلى اعادة صياغة، ولكن التسريح الجماعي ليس منطقي على الإطلاق، وتخفيض موازنة مكتب العمل لا تستهدف الموظفين فقط، بل ستطال برامج أخرى يستفيد منها القادم الجديد، فمثلاً بدلاً من إصلاح عيوب اكسترا شنست سيتم ألغاءه في حين الحاجة له تظل قائمة، مع وجود أناس يحتاجون إلى هذا الدعم. الموضوع بالنسبة لمكتب العمل موضوع جدلي، والمكتب حقاً بحاجة  إصلاح، ولكن من الناحية المالية بحاجة إلى موازنة أعلى وليس تخفيض شرط أن تتوجه الزيادة إلى التأهيل والتدريب وفقاً لحاجات سوق العمل. بالمحصلة اضعاف مكتب العمل بجانب من جوانبه سيطال برامج مفيدة للقادمين الجدد.

 

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.