استحوذ الفايكنج على مخيلات كافة البشر من جميع الأعمار لقرون عدة، وربما الآن أكثر من أي وقت مضى، عبر الأفلام والمسلسلات التلفزيونية مثل The Northman وVikings: Valhalla، وغالباً ما يتم تصويرهم على أنهم محاربون متعطشون للدماء، لكن هذا ليس إلا جانباً واحداً لهؤلاء الاسكندنافيين الذين مارسوا الملاحة البحرية وكانوا مزارعين متفانين وبناة سفن وحرفيين مهرة.يعود التاريخ الدرامي للفايكنج إلى عام 700 بعد الميلاد ويمتد إلى القرن الحادي عشر، عندما غادروا أوطانهم على متن السفن الطويلة المصممة بخبرة من أجل التجارة وشن الغارات والبحث عن أماكن أفضل للعيش، حيث اجتازوا سواحل أوروبا، وقدّموا مطالبات في دول مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وأوكرانيا الحديثة وبيلاروسيا وروسيا.إحدى هذه الغارات الموثقة جيداً، والتي ساهمت في سمعة الفايكنج الدموية، تعود إلى عام 793 بعد الميلاد، عندما هاجم الفايكنج ديراً في ليندسفارن في نورثمبريا شمال شرق إنجلترا، مسلحين بالفؤوس والسيوف، وأحرقوا المباني وداهموا الأديرة بحثاً عن الكنوز.تُترجم كلمة فايكنج إلى "غارة القراصنة" باللغة الاسكندنافية القديمة، وكان الخوف منهم في مكانه بسبب قسوة غاراتهم، ومع ذلك، فإن للفايكنج جانباً خفياً وبعيداً عن سمعتهم المرعبة، حيث كانوا يتمتعون بالحيوية والشجاعة والابتكار، إضافةً إلى حبهم للاستكشاف الذي دفعهم إلى السفر حول العالم وصولاً إلى أمريكا الشمالية وآسيا.بالرغم من سيطرة الجانب البربري على صورة الفايكنج لدى العديد من الثقافات الشعبية في يومنا هذا، إلا أن معظم الفايكنج عاشوا حياة سلمية مع أسرهم، وكانت النساء تتولى مسؤولية الزراعة عند ذهاب الرجال للإبحار، إلا إذا اخترن الانضمام إليهم، كما تمتعت نساء عصر الفايكنج بحقوق أكثر من باقي نساء ذلك الوقت، مثل حرية تطليق أزواجهن.كما ركّز الفايكنج على الحرف اليدوية إلى جانب الزراعة وتربية الحيوانات، وكانوا خبراء في صناعة الفضة وتمتعو بارتداء المجوهرات والحلي المصنوعة منها إضافةً للذهب والمعادن الأخرى، واستغلوا جميع موارد الطبيعة لصنع المنسوجات وبعض الأغراض مثل "قرن الشرب" المصنوع من قرون حيوانات المزرعة و الذي اشتهروا به، ويمكن رؤية هذا الاستغلال في المجتمع السويدي اليوم، حيث تزيد أهمية الاستدامة وسعة الحيلة يوماً بعد يوم.رواة قصص وعقول تجارية مبدعةكان الفايكنج مبتكرين وواسعي الحيلة كما تمتعوا بحس تجاري جيد، وسافروا إلى جميع أنحاء أوروبا وحتى آسيا الوسطى، يتبادلون العسل والقصدير والقمح والصوف والخشب والحديد والفراء والجلود والأسماك والعاج مقابل الفضة والحرير والفخار والتوابل والنبيذ والمجوهرات والزجاج، وكانوا معروفين بأخذ عينات قبل الشراء للتأكد من عدم تعرضهم للخداع.امتلك الفايكنج روحاً مبدعة، وكان لهم طرقهم الخاصة في التعامل مع الأخشاب والمعادن ليحولوها إلى أشياء جميلة، وكان صائغي الفضة على انشغال دائم، حيث أحب الفايكنج من كلا الجنسين تزيين أنفسهم بالمجوهرات مثل حلقات الذراع والتمائم، أما التحفة الفنية الفنية الحقيقية هي سفينة الفايكنج الطويلة، والتي صُممت بدقة للسفر بسرعة والوصول إلى الشواطئ بسهولة.كما كان لدى هؤلاء البحارة الاسكندنافيين طرقهم الخاصة مع اللغة والنثر، واعتبر سرد القصص والملاحم جزءاً حيوياً من أسلوب حياة الفايكنج، والموثقة على أحجار رونية الموجودة في السويد وخارجها، مثل حجر فروسو Frösöstenen في جامتلاند Jämtland الذي كُتب عليه ضمن شكل يشبه الثعبان كتابة تقول: "أوستماير، ابن غودفاستر، رفع هذا الحجر وبُني هذا الجسر وجعل جامتلاند مسيحية. بنى أوسبورن الجسر. تريون وستين نحتوا هذه الأحرف".فالهالا وآلهة الفايكنجغذّت معتقدات الفايكنج الوثنية الروح القتالية والشجاعة التي أظهرها بعضاً من هؤلاء المغامرين، ووفقاً للأساطير، انتهى الأمر بالأبطال الذين قُتلوا خلال المعارك في فالهالا، وهي وجهة ما بعد الموت على شكل قاعة شامخة في آسغارد مملكة الآلهة أمثال أودين، ملك عشيرة آيسر وإله الحرب والحكمة والشعر والموت، راكباً حصانه سليبنر ذو الثمانية أقدام، والإلهة فريغ، زوجة أودين، وتعتبر إلهة العلاقات، وتحمي جميع الأمهات، وبالدر، ابن أودين وفريغ، ويمثل الشجاعة، قتل على يد الإله لوك، وحزن إلى الأبد.كما يجسّد فرير وشقيقته فريا الخصوبة وينميان حصاداً مثمراً وماشية صحية وسليمة، ويتقدم ثور وسط الرعد والبرق، الذي يرتبط أيضاً بالخصوبة، ولكن موهبته الأساسية هي السيطرة على الفوضى وإبقاء العمالقة بعيدين بمساعدة مطرقته العزيزة ميولنير.بصمة الفايكنج مستمرة إلى يومنا هذايمكن الشعور بتأثير الفايكنج على نطاق واسع حتى يومنا هذا، حيث لا تزال طريقة حياتهم الحكيمة والمتمحورة حول الطبيعة مصدر إلهام للكثيرين، إضافة إلى تقنياتهم، والسفن على وجه الخصوص.يتجلى إرث الفايكنج بشكل خاص في اللغة والأسماء الحديثة، فمثلاً كان تجمع "الشيء Thing" أو "Ting" هو نسخة مبكرة من البرلمانات والمجالس والمحاكم اليوم، ويمكننا رؤية ذلك اليوم في الكلمة السويدية "Landsting" والتي تعني مجلس المحافظة.يمكن إرجاع أي كنية تنتهي بـ "son" إلى الفايكنج، حيث هم من شكّلوا بنية الأسم هذه، ويرادف ذلك "Mc" في سكوتلندا وأيرلندا، كما اشتقت العديد من أسماء البلدات والأماكن في بريطانيا من اللغة الإسكندنافية القديمة، لأن الفايكنج استقروا هناك.عش تجربة الفايكنج بنفسكستكون قادراً على اكتشاف التاريخ الرائع والمتعدد الأوجه للايكنج عبر مجموعة من تجارب ومشاهد الفايكنج الغامرة في جميع أنحاء السويد، وتعد أوبسالا Uppsala موطناً للتلال الملكية، كما يتيح لك متحفها الانغماس في حياة قرية الفايكنج من خلال تجربة واقع افتراضي ممتعة، وبالذهاب إلى مشارف ستوكهولم ستجد جزيرة بيوركو تحتضن مستوطنة قرية بيركا Birka، التي يعود تاريخها إلى منتصف القرن السابع.كما لا يمكنك تفويت فرصة زيارة متحف هيستوريكا Historiska التفاعلي و المليء بالتجارب الواقعية الواقع في العاصمة السويدية، ويقدم المتحف صورة أكثر تنوعاً عن الفايكنج كاسراً التخيل النمطي الذي يصورهم على أنهم أشراراً عنيفين وملحدين.ويعد متحف الفايكنج من أهم مناطق الجذب في ستوكهولم، ويتيح تجربة الغزو رفقة زوجين عبر رحلة تبدأ في إحدى المزارع، وتنتهي في النهب وتجارة الرقيق.إن زيارة العاصمة السويدية تعطيك الفرصة حتى لتجربة الطعام على طراز الفايكنج، ويعد Aifur Restaurant & Bar أحد الأماكن التي تتيح ذلك، من خلال الطعام والشراب المحضّر بناءً على أبحاث عميقة في طرق وأساليب الطهي عند الفايكنج، إضافةً إلى الموسيقى المتماشية تماماً مع طقس المطعم.بالانتقال جنوباً، فإن مدينة فيسبي Visby الساحرة الواقعة في جزيرة جوتلاند Gotland، بها مركز مدينة مدرج في قائمة اليونسكو مع بقايا من عصر الفايكنج، بما في ذلك بعض الطرق المتعرجة الممتدة من الجرف إلى الميناء، وستجد على الجزيرة ذاتها، عدداً من مقابر الفايكنج، بما في ذلك موقعاً مساحته 15 هكتاراً في ستينشيلكا Stenkyrka، مرصعاً بنحو 1000 قبر، كما يوجد موقع دفن أصغر على شواطئ فارو Fårö.وفي مقاطعة سكاين Skåne، عُثر على بقايا مهمة من الفايكنج، حيث أعيد بناء مبانٍ مثل القلاع والمنازل الطويلة، وكذلك قرى بأكملها، وتعتبر فوتيفيكين Foteviken الواقعة جنوب غرب سكاين، بيئة أصيلة تقدم تجارب مثل الأسواق الصاخبة والمعارك المثيرة والحدادين الذين يصنعون المجوهرات، ولا تنسى أن تضع في اعتبارك منتزه VikingaTider الأثري في لودديكوبينغ Löddeköpinge، وهو متحف في الهواء الطلق تبلغ مساحته 25 هكتاراً مليئة بالمراعي ومربي الحيوانات.أينما ذهبت في السويد، ستجد ثروة من تاريخ عصر الفايكنج لتستكشفه وتذهل به وليعطيك فكرة دقيقة عن حياتهم.