في خطوة لاستكشاف تفاصيل مشروع مترو أوريسوند Öresundsmetro الطموح الذي يهدف إلى ربط مالمو وكوبنهاغن، تواصلتُ مع كاترين يامه Katrin Stjernfeldt Jammeh، رئيسة بلدية مالمو، للحصول على إجابات حول مجموعة من الأسئلة المهمة التي يجب أن تشغل بالنا. فهذا المشروع الكبير يشمل تحديات مالية، وبيئية، وأمنية، إلى جانب تأثيره المحتمل على سوق العمل في مالمو وكوبنهاغن، وارتفاع البطالة وأسعار العقارات المحتمل. في هذا المقال، نستعرض ردود يامه حول هذه القضايا ونلقي نظرة على الجوانب المختلفة لهذا المشروع الواعد، وما يمكن أن يحمله من فرص وتحديات للمنطقة.التمويليعد مشروع مترو أوريسوند استثماراً ضخماً يتطلّب التزاماً مالياً مُشتركاً بين السويد والدنمارك، ويثير تساؤلات حول كيفية ضمان اتفاق الطرفين على نموذج التمويل، فضلاً عن مخاطر تأخير الجدول الزمني نتيجة المفاوضات المالية. في هذا السياق، سألت كاترين يامه عن التدابير التي تضمن بها مالمو وقيادات المشروع توافقاً مالياً بين البلدين دون تعطل بسبب المسائل المالية.أوضحت يامه في ردّها أنّ هناك اعترافاً واسع النطاق بالحاجة الملحة لربط مالمو وكوبنهاغن عبر ممر جديد يخفف الضغط عن جسر أوريسوند، خصوصاً مع قرب اكتمال مشروع جسر فيمان بيلت Fehmarn Bält الألماني، الذي سيزيد من الضغط على حركة النقل بين البلدين، مما قد يجعل جسر أوريسوند نقطة اختناق لكل من حركة البضائع والأفراد. يامه مع عمدة كوبنهاغن في 2018في الحقيقة، تشهد حركة البضائع والأشخاص بين مالمو والدنمارك نشاطًا ملحوظًا، حيث يُعتبر جسر أوريسوند الرابط الأساسي بين الجانبين. وفقًا لإحصاءات Øresundsbron، في عام 2023، عبر الجسر حوالي 7.3 مليون مركبة، بما في ذلك السيارات والشاحنات والحافلات. هذا يمثل زيادة مقارنة بعام 2022، حيث بلغ العدد حوالي 6.7 مليون مركبة. بالإضافة إلى ذلك، شهدت حركة القطارات عبر الجسر نموًا، مع تسجيل أكثر من 4 ملايين رحلة ركاب خلال الربع الثاني من عام 2024، وهو رقم قياسي جديد.وأكدت يامه أن أهمية مشروع المترو تكمن في دوره المحوري الذي لا يقتصر على تسهيل التنقل فحسب، بل في تقديم فوائد اجتماعية واقتصادية كبيرة على المدى الطويل. استشهدت بمشاريع بنية تحتية ضخمة مشتركة سابقة مثل مترو كوبنهاغن وشبكة النقل في ستوكهولم، التي أظهرت أن العمل المشترك بين البلدين على مشاريع كبرى هو أمر قابل للتحقيق، حتى مع التحديات المالية الكبيرة، وذلك لما يحققه من عوائد ملموسة تخدم المجتمعات.البيئة بين تشريعين ودولتينيحمل مشروع مترو أوريسوند وعودًا كبيرة من حيث الالتزام بتقليل الأثر البيئي، وذلك من خلال أهداف طموحة لتخفيض انبعاثات الكربون وتعزيز الاستدامة. ومع ذلك، فإن العمل على تحقيق هذه الطموحات البيئية يواجه تحديات عملية متعددة، خاصةً في ظل تشريعات بيئية مختلفة في السويد والدنمارك. سألتُ كاترين يامه عن التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الأهداف البيئية، وعن كيفية اختلاف هذا المشروع عن مشاريع البنية التحتية السابقة في مجال الاستدامة.أوضحت يامه أن أهمية المشروع تتجلى في فائدته الطويلة الأمد لمنطقة أوريسوند التي تشهد نموًا سريعًا، سواءً في مالمو أو كوبنهاغن. وتقول: "في مدينة تنمو بسرعة مثل مالمو، وتحديدًا في منطقة عمل مترابطة مثل منطقة أوريسوند، من الضروري أن ننفذ الاستثمارات المطلوبة لتحقيق تطلعات الاستدامة رغم التحديات المصاحبة". وأكدت أن تحقيق الأهداف البيئية الطموحة يتطلب توازناً بين الفوائد المجتمعية طويلة الأجل والتكلفة البيئية المباشرة الناجمة عن البناء. جسر الأوريسندوأضافت يامه أن المشروع سيعمل بأقصى قدر ممكن من مراعاة للبيئة، وتفخر بوجود التزام واضح بتقليل الأثر البيئي. ومع ذلك، أشارت إلى صعوبة تجنب التأثيرات البيئية في المشاريع الكبيرة. وقالت: "ليس من السهل تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى دون تأثير كبير على البيئة، لكن تقنيات البناء وطرق التنفيذ تتطور بسرعة لتلبية هذه التحديات".الأمن والطوارئيشكل مترو أوريسوند تحديات أمنية فريدة كونه سيمر عبر نفق تحت بحر أوريسوند، مما يستدعي خططاً دقيقة للتعامل مع سيناريوهات الطوارئ. طرحتُ على كاترين يامه سؤالاً حول الخطط المقترحة لتطوير نظام أمني سويدي-دنماركي مشترك يضمن أمان الركاب، وكيفية التعامل مع المخاطر المحتملة أثناء الرحلات عبر النفق.وضحت يامه أن المشروع لا يزال في مراحله الأولية، وأن وضع خطط أمنية شاملة يعتمد بشكل كبير على التفاصيل النهائية للتصميم المقترح للنفق. وأكدت: "في ظل الظروف الحالية، يُعتبر تضمين حلول الأمان الضرورية وأدوات الطوارئ أمراً أساسياً في أي مشروع بنية تحتية من هذا النوع". وأضافت أن خطط الطوارئ قد تشمل إنشاء محطات إجلاء داخل النفق، وتثبيت أنظمة لضبط الضغط والتهوية للحفاظ على خلو الأنفاق من الدخان في حالة وقوع حادث.أما بالنسبة للتعاون بين السويد والدنمارك، فقد أوضحت يامه أن هناك حاجة لوضع اتفاقية طوارئ مشتركة، لكنها لم تُبرم بعد. وعلقت قائلة: "من المؤكد أن مسألة التعاون الأمني ستكون موضع دراسة معمقة عندما يتم اتخاذ قرار رسمي بالمضي قدماً في المشروع". قطار الأوريسندتُعد حوادث القطارات في الأنفاق نادرة، لكن بعض الحوادث البارزة تسلط الضوء على أهمية التخطيط الدقيق والتدابير الأمنية الصارمة في مشاريع البنية التحتية المماثلة.حادث حريق نفق مونت بلانك (1999): وقع حريق في نفق مونت بلانك الذي يربط بين فرنسا وإيطاليا، مما أدى إلى وفاة 39 شخصًا. أظهر التحقيق أن غياب أنظمة التهوية المناسبة ونقص مخارج الطوارئ ساهم في تفاقم الكارثة. أدى ذلك إلى إعادة تقييم معايير السلامة في الأنفاق الأوروبية.حادث نفق جريت هيد في لندن (1987): وقع حريق في قطار مترو داخل نفق جريت هيد، مما أدى إلى وفاة 31 شخصًا. أدى الحادث إلى مراجعة شاملة لإجراءات السلامة في مترو لندن، بما في ذلك تحسين أنظمة الكشف عن الحرائق وتدريب الطواقم على التعامل مع حالات الطوارئ.تُبرز هذه الحوادث أهمية التخطيط الدقيق والتنسيق بين الدول المعنية لضمان سلامة الركاب في مشاريع الأنفاق الدولية مثل مترو أوريسوند المقترح.التكامل الإقليمييعدّ التكامل بين سوقي العمل السويدي والدنماركي أحد الأهداف الأساسية لمشروع مترو أوريسوند، الذي يهدف إلى تسهيل حركة العمالة وتوسيع فرص العمل بين مالمو وكوبنهاغن. في هذا السياق، طرحت سؤالًا حول التحديات المحتملة المرتبطة بتبعات هذا التكامل، مثل ارتفاع أسعار السكن وتكاليف المعيشة في مالمو، وكيفية تجنب التوترات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تنشأ. طرق الوصل الحالية بين مالمو وكوبنهاغنأوضحت كاترين يامه أن مالمو تهدف لأن تكون مدينة متاحة للجميع، ولهذا فإن البلدية تعمل بنشاط على توفير مساكن ميسورة التكلفة. ومع ذلك، ترى أن التحدي الأكبر يكمن في توفير فرص عمل للسكان، إذ لا تزال مشكلة البطالة وضيق الخيارات السكنية مرتبطة بقدرة الأفراد على تحقيق الاكتفاء الذاتي. وأكدت يامه أن المترو، بدلاً من أن يكون عائقاً، يمكن أن يكون جزءاً من الحل.وأضافت يامه أن البنية التحتية عبر أوريسوند ستساهم في تحسين تكامل سوق العمل Arbetsmarknadsintegration بين الدولتين، مما سيتيح فرصاً كبيرة لسكان مالمو، حيث إن الطلب على العمالة في كوبنهاغن مرتفع. وأشارت إلى أن المترو سيقلص من وقت التنقل بين مالمو وكوبنهاغن بشكل ملحوظ، مما يسهل على سكان مالمو الحصول على وظائف في الدنمارك، ويدعم بذلك فرص التكامل الاقتصادي بين البلدين.خسارة عمّال السويديثير انتقال العمالة السويدية، وخاصة المهندسين والمهنيين من جنوب السويد، للعمل في كوبنهاغن بسبب الرواتب الأعلى، مخاوف حول ما يُعرف بـ"هجرة العقول". تصبح مالمو خياراً جذاباً للسكن بالنسبة للعديد من هؤلاء العمال الذين يفضلون التنقل إلى كوبنهاغن يومياً للعمل، ما يعزز من التكامل بين المدينتين، ولكنه يحمل في طياته مخاطر استنزاف المواهب والكفاءات من مالمو.عند سؤال كاترين يامه عن كيفية تحقيق التوازن بين دعم التنقل وتكامل سوق العمل من جهة، وتجنب نزوح العمالة من مالمو من جهة أخرى، أكدت على أن الهدف الرئيسي للمدينة هو تمكين العاطلين عن العمل من تحقيق الاكتفاء الذاتي. ترى يامه أن البنية التحتية المحسنة وسهولة التنقل التي يوفرها مشروع مترو أوريسوند ستعزز من تكامل سوق العمل بين البلدين، ما يسهم في تقليل البطالة في مالمو ويدعم الإنتاجية والنمو الاقتصادي على مستوى المنطقة بأكملها. يامه في شهر سبتمبر 2024وفيما يتعلق بمسألة هجرة العقول، أوضحت يامه أن تحديد تأثيرها بدقة ليس سهلاً، خاصةً في ظل استمرار المفاوضات بين أطراف سوق العمل في الدول الاسكندنافية لتحديد مستويات الرواتب والاتفاقات. وخلصت إلى القول إن متابعة هذه الظاهرة ستكون ضرورية لفهم أبعادها وتحديد أي تأثيرات طويلة الأمد قد تنجم عنها.