أخبار السويد

تحدت العادات والتقاليد وتنكرت كرجل.. ثم أسلمت وتزوجت مسلم وروت لنا قصصاً لا تنسى

تحدت العادات والتقاليد وتنكرت كرجل.. ثم أسلمت وتزوجت مسلم وروت لنا قصصاً لا تنسى
 image

عروة درويش

أخر تحديث

Aa

المجتمع السويدي

Isabelle Eberhardt

عاشت إيزابيل إبرهارت Isabelle Eberhardt، الكاتبة والمستكشفة السويسرية الأصل، حياة غير عادية حطمت معايير عصرها. في مطلع القرن العشرين، غامرت بالدخول إلى شمال أفريقيا، وعاشت بقية حياتها القصيرة كواحدة من البدو الرحّل، متنكرة بزيّ رجل في الصحاري الجزائرية والتونسية. في العصر الذي كان من المتوقع فيه أن تكتب النساء عن الزواج والأمومة، اختارت إبرهارت التركيز على التجارب الدينية ومعاناة السكان المحليين الجزائريين تحت الحكم الاستعماري الفرنسي.

الحياة المبكرة والعزلة

لم تكن تربية إيبرهارت عادية على الإطلاق. ولدت كطفلة غير شرعية لسيدة نبيلة روسية في المنفى في سويسرا، ونشأت في فيلا خارج جنيف، معزولة عن الأطفال الآخرين. تلقت تعليمها في المنزل على يد كاهن روسي أناركي (فوضوي) غريب الأطوار، على الأرجح كان هو والدها، وتلقت تعليماً مكثفاً في العديد من اللغات والفروسية. ظهر أول منشور لها في سن 18 عاماً، وهي قصة قصيرة بعنوان "الجحيم"، في المجلة الفرنسية Nouvelle Revue Moderne، مما يوضح ميلها المبكر لسرد القصص.

خلال سنوات مراهقتها، طورت إيبرهارت حباً قوياً، وعاطفياً تقريباً لأخيها أغسطس. تكشف رسائلها عن شعور عميق بالوحدة ورغبة في مشاركة تجاربها في الغربة معه.

إيزابيل إبرهارت

التحول في الجزائر

اتخذت حياة إبرهارت منحىً هاماً في الجزائر، حيث سافرت مع والدتها في أوائل العشرينات من عمرها. في منتجع "عنابة" الاستعماري المعروف آنذاك باسم بون، بدأت ترتدي ملابس رجال، واعتمدت الشخصية الذكورية البديلة: محمود السعدي. سمح لها هذا المظهر بالتحرك بحرية عبر الأحياء العربية في المدينة. كان اعتناقها الإسلام وانضمامها إلى الطريقة القادرية الصوفية بمثابة نقطة محورية في حياتها. بعد وفاة والدتها، قامت برحلات منفردة عبر الصحراء، وعاشت بين قبائل البدو، وهو ما صورته فيما بعد في أعمالها الأدبية وتقاريرها الصحفية.

قال الكثير من المحللين لشخصية إبرهارت ولما كتبته، بأنّ سعيها الدؤوب لحياة بدوية، غالباً في ظل ظروف قاسية مثل الملاريا والحرارة الشديدة، يشير إلى تفاعل معقد بين إنكار الذات والسعي إلى الحرية. تعكس كتاباتها صراعًاً بين الكآبة والبحث عن الانتماء، والرغبة في الانغماس في المجهول.

تحدي الأعراف الثقافية الغربية

يمثل ازدراء إبرهارت "للثقافة الغربية التبسيطية" وتوقها إلى "المجهول" نقداً عميقاً للحضارة الأوروبية المعاصرة. لقد رأت الصحراء مكاناً مقدساً وخالداً، حيث يمكنها الهروب من الثرثرة والشائعات البشرية. على الرغم من الصعوبات التي واجهتها، وجدت إيبرهارت لحظات من السلام وشبه الفرح، خاصة في زواجها من الرجل الذي أحبته: سليمان المهني، وهو جندي جزائري من الذين خدموا في الجيش الفرنسي.

تذكرني إبرهارت هنا بالضابط البريطاني لورانس الذي افتتن بدوره في الصحراء، والذي كتب على إثرها كتابه الذي سمّاه: أعمدة الحكمة السبعة.

لم تكن مغامرات إبرهارت عبر شمال أفريقيا مجرد رحلات جسدية، بل كانت أيضاً استكشافات روحية وعاطفية. لقد اجتازت الصحاري، واختلطت مع المتصوفة، ووقعت في الحب، وواجهت الشدائد، والتي صورتها بوضوح في كتاباتها. قصصها ومقالاتها، المليئة بتجاربها وملاحظاتها الشخصية، أعادت الحياة إلى المناظر الطبيعية والناس في منطقة المغرب العربي.

الإرث والتفسيرات الخاطئة

خضعت حياة إيبرهارت وعملها لتفسيرات وشائعات مختلفة، وغالباً ما كانت تصورها على أنها امرأة غير شرعية قاتلة ضائعة في الشرق. ومع ذلك، كما أشار الصحفي بيتر لوفستروم Peter Löfström في سيرته الذاتية، فإنّ هذه الصور تعتمد إلى حد كبير على الشائعات ولا تعكس مدى تعقيد شخصيتها.

تقدّم كتابات إبرهارت، بما في ذلك أعمالها الكاملة المنشورة بعد وفاتها، رؤية أكثر دقة لحياتها، وتسلط الضوء على تعاطفها مع الشعب الجزائري تحت الحكم الاستعماري الفرنسي والتزامها العميق بالفكر الإسلامي. ربّما هذا السبب الذي دفع الأوروبيين الذين يدافعون عن الاستعمار في حينه إلى اعتبارها مجرّد شخصٍ تائه، ومحاولة التقليل من شأنها وشأن تجاربها في الجزائر.

في الحقيقة اشتعل انبهار إبرهارت بالثقافة العربية والإسلام من خلال قراءاتها وتأثيرات معلّمها قبل أن تنتقل إلى الجزائر. لم تكن رحلتها إلى شمال أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر مجرد انتقال مادي، بل كانت رحلة تحويلية. في الجزائر، اعتنقت إيبرهارت الإسلام بكل إخلاص، وهو القرار الذي كان له صدى عميق مع سعيها الروحي وإعجابها بالثقافة.

في الختام…

إنّ قصّة حياة إيزابيل إبرهارت هي شهادة على قدرة الروح الإنسانية على تجاوز القيود المجتمعية وصياغة مسار فريد. لا توفر مغامراتها وكتاباتها نظرة ثاقبة لشخص رائع فحسب، بل تتحدى أيضاً فهمنا للمعايير الثقافية والعرقيّة. تظل إبرهارت شخصيّة ملهمة ومثيرة، وتتجاوز حدود ما كان يمكن تصوره بالنسبة للمرأة في عصرها.

إنّ قصّة إيزابيل إبرهارت آسرة لدرجة أنها تطمس الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال. توفيت إبرهارت وهي بسنّ السابعة والعشرين في فيضانٍ مفاجئ في الجزائر، ليبقى إرثها خلفها.

أخبار ذات صلة
المزيد من أخبار - أخبار السويد

أكتر هي واحدة من أكبر منصّات الأخبار السويدية باللغة العربية وأسرعها نمواً.

توفّر المنصة الأخبار الموثوقة والدقيقة، وتقدّم المحتوى الأفضل عبر النصوص والأفلام الموجّهة لعددٍ متزايد من الناطقين باللغة العربية في السويد وأجزاء من الدول الاسكندنافية وبقية العالم.

تواصل معنا

Kaptensgatan 24, 211/51 Malmö, Sweden
VD -  Kotada@aktarr.se

Tipsa -  Press@aktarr.se

Annonsera -  Annonsering@aktarr.se

للاشتراك بالنشرة الاخبارية

متابعة أخر الاخبار و المواضيع التي تهمك

2023 Aktarr جميع الحقوق محفوظة لمنصة ©