في شقة صغيرة بمدينة كارلسكوغا، تجلس حميدة جعفري تحت وطأة صدمة لم تستوعبها بعد. منذ مساء الثلاثاء الماضي، وهي تعيش في دوامة من القلق، تتصل بلا توقف، تبحث عن زوجها المفقود، تحاول إقناع الشرطة والمستشفيات بإعطائها أي إجابة، لكن كل الأبواب بدت موصدة. كان علي محمد جعفري (31 عامًا) قد غادر المنزل صباحًا كعادته، متوجهًا إلى مدرسة ريسبرسكا في أوربرو حيث كان يدرس ليصبح عامل نظافة، حلمًا بوظيفة تضمن له ولأسرته حياة كريمة. تقول حميدة بصوت مخنوق: "كان من المفترض أن يعود عند الساعة 17:30… لكنه لم يعد". هدية الأب الأخيرة قبل أيام قليلة فقط من اختفائه، قدم علي لابنته الكبرى مفكرة على شكل دب محشو، مزودة بقفل فضي على هيئة قلب. كانت هدية بسيطة تعكس حنانه المعتاد، لكنها أصبحت آخر هدية منه. اليوم، تستخدم الطفلة تلك المفكرة لتدون فيها أسئلتها الحائرة عن والدها، تسجل يوميًا محاولات والدتها اليائسة في البحث عنه، وصفارات الشرطة التي لا تتوقف، والمكالمات التي لم تجد لها أي إجابة. رسميًا: تأكيد هوية منفذ مجزرة أوربرو انتظار بلا نهاية عندما تأخر علي عن موعد عودته، بدأت حميدة تشعر بالقلق، حاولت الاتصال به مرارًا، كانت الإشارة تصل، لكنه لم يجب. عند الساعة التاسعة مساءً، بدأت الاتصال بالشرطة والمستشفيات، لكن لا أحد أراد إعطاءها أي معلومة. "قالوا لي انتظري... لكن كيف يمكنني الانتظار؟ زوجي مفقود!" لم تستسلم، زارت مركز الشرطة بنفسها، تحدثت مع الضباط، توسلت إليهم أن يبحثوا عنه، لكن الرد كان واحدًا: "نحن لا نعرف شيئًا، انتظري." اقرأ أيضاً: هذا هو.. القاسم المشترك بين منفذي الهجمات على المدارس في السويد الخبر الذي كسر قلبها بعد ثلاثة أيام من الانتظار القاتل، الجمعة عند الساعة الرابعة مساءً، طرقت الشرطة باب منزلها. "دخلت امرأة ورجل، طلبوا مني الجلوس في غرفة النوم. قالوا لي: 'زوجك قد مات'." في تلك اللحظة، شعرت وكأن الزمن قد توقف، لم تستطع استيعاب الكلمات. طلبت من الضابطين أن يخبروا طفلتيها (8 و11 عامًا)، لأنها لم تكن تملك القوة لتفعل ذلك بنفسها. "لم أستطع تحمل إخبارهما. كانتا تحتضنان صورة والدهما وتبكيان بلا توقف. كيف أخبرهما أن والدهما لن يعود؟" رعب حتى في الوداع الأخير لم تتمكن العائلة حتى الآن من ترتيب جنازة لعلي وفقًا للتقاليد الأفغانية، التي تتطلب تغسيل الجثمان قبل الدفن، ولكن الخوف يسيطر على الجميع. "بعض أصدقائنا قالوا لي: 'نحن خائفون من حضور الجنازة، ماذا لو جاء شخص آخر وأطلق النار علينا؟'" على الرغم من ذلك، طلبت حميدة من الشرطة حماية الجنازة، لكن الرد جاء بالرفض. ابنة خائفة.. وأم تحاول الصمود ابنة علي الكبرى تعيش كابوسًا آخر، فهي تخشى أن تفقد والدتها أيضًا. أصبحت تمنعها من الذهاب إلى مدرستها حيث تدرس التمريض. "أمي، أنا في الحادية عشرة فقط، لا أستطيع رعاية أختي الصغيرة وحدي إذا متِ أيضًا!" تحاول حميدة التماسك أمام طفلتيها، لكنها تنهار بمجرد أن تسمع حديثهما عن والدهما. "أحاول ضبط نفسي، لكن في داخلي أريد فقط الصراخ والبكاء." "لماذا جئنا إلى هنا؟" قبل تسع سنوات، فرّت العائلة من إيران، حيث كانوا يعيشون كلاجئين أفغان. ساروا على الأقدام عبر الحدود التركية، هربوا من دوريات مسلحة بالرشاشات، عبروا البحر في قارب مطاطي بحثًا عن حياة أكثر أمانًا في السويد. "هربنا من الحرب وطالبان في أفغانستان، واعتقدنا أن السويد بلد آمن. لكننا كنا مخطئين، لأن علي مات هنا، برصاص إرهابي." كفاح لم يكتمل منذ وصوله إلى السويد، بدأ علي بناء حياته من الصفر. سجل في مكتب العمل، تعلم اللغة السويدية، اجتاز دورات التأهيل المهني، وبحث عن أي وظيفة يستطيع من خلالها إعالة أسرته بكرامة. "كان مؤمنًا بالعمل والاجتهاد. لم يكن يريد أي شيء بالمجان." يقول صديقه مادي، الذي جاء إلى السويد كلاجئ قاصر في نفس الفترة. قبل أسبوع من مقتله، كتب علي سيرته الذاتية الأولى، كان مستعدًا للتقديم على وظيفة صيفية كعامل نظافة. "كان يحلم بوظيفة ثابتة، بتعلم القيادة، بتأمين مستقبل مشرق لابنتيه. كان مليئًا بالأمل." آخر لقاء.. ووجع لا ينتهي قبل أيام من المأساة، تناول علي العشاء مع صديقه مرتضى محمدي، استمعا معًا إلى الموسيقى الأفغانية التي كان يحبها، وتحدثا عن المستقبل. "كان يفكر في متى سيحصل على رخصة القيادة، متى سينهي دراسته، متى سيدخر المال الكافي لبناته." مرتضى يتذكر كيف شجعه قائلاً: "استمر، ستنجح!" لكن الآن، تحولت هذه الكلمات إلى ألم لا يوصف. "الآن كل شيء موجع. التفكير في أنه لن يحقق أيًا من أحلامه يكسر القلب." "اكتبوا عن معاناتنا!" في منزلها الصغير، أشعلت حميدة شمعة أمام صورة علي، محاطة بالمصحف والورود. لم تستمع إلى خطاب رئيس الوزراء، ولم ترَ فيه أي عزاء. "ماذا يمكنه أن يقول؟ لا شيء يعيد علي إليّ. حتى لو أرسلوا لي عشرة ملوك، لن يعيدوا لي زوجي." لكنها، رغم الألم، ترفع صوتها برسالة واضحة: "اكتبوا عن وجعنا، دعوا السياسيين يعرفون ماذا يعني أن نفقد أحباءنا بهذه الطريقة. دعوا الجميع يسمع صوتنا."