مقال رأي: السويديون يقولون «أنت بتعرف حالك مع مين عمتحكي!» ولكن بشكل منمّق

أخبار السويدصحهاقتصادقانونرياضةدليل أكتر قضايا الهجرة واللجوء
تسجيل الدخول
مقالات الرأي

مقال رأي: السويديون يقولون «أنت بتعرف حالك مع مين عمتحكي!» ولكن بشكل منمّق

Grizzly Bear

بقلم: الكاتب عروة درويش

كنتُ أقرأ مقالاً بعنوان «لماذا لا يقول السويدي "شكلك مش عارف مع مين قاعد بتحكي"؟؟» للزميل أحمد أبو حمد، والذي حاول فيه مشكوراً أن يوضّح لنا سبب عدم «فشخرة» الإسكندنافيين واعتدادهم بأنفسهم. لكن في الحقيقة لديّ شيء آخر لأقوله قد يتعارض في جزء منه مع ما ذهب إليه المقال المذكور.

دعوني أنطلق أولاً من فكرة فلسفية أتبناها: الأفكار والثقافة، وجزء منها الفشخرة والزهو بالنفس، هي جزء من شيء أكبر يسمّى «البنية الفوقية». وهذه البنية الفوقية تتشكّل بعوامل وأشياء قد تذهلنا، وأهمّها العوامل الاقتصادية. سأعود إلى هذا الأمر فيما بعد.

الفايكنغ مجموعات تاريخية لا أفضل ولا أسوأ من غيرهم
Foto Cornelius Poppe

الفايكنغ Vs. الدولة العباسية

برأيي، تفسير تواضع الإسكندنافيين عموماً باتباعهم قانون يانتيه، يشبه محاولة تفسير قيام دولة الرفاه والمساواة في الدول الإسكندنافيّة بأنّهم منحدرون من الفايكنغ.

يحاول مثلاً خبير المساواة الاقتصادية من جامعة أورهوس الدنماركية، كريستيان بيورنسكوف، عند التحدّث عن شعور المساواة المرتبط دوماً بالإسكندنافيين أن يعيد ذلك للفايكنغ، وإلى حادثة يتم تداولها بشدّة عن أيام حصارهم لباريس، وخروج الفرنسيين برايات الاستسلام ليسألوا عن ملك الفايكنغ، الأمر الذي دفع الفايكنغ للضحك والقهقهة والرد عليهم: جميعنا ملوك.

إذا ما تناسينا مدى عنف وخيانة الفايكنغ لبعضهم البعض، ومدى همجيتهم حتّى بالمقارنة بالعصر الذي عاشوا فيه، وأردنا أن نتبع هذا المسار التحليلي، نصل إلى نتيجة أننا نحن العرب عموماً «نتفشخر» ونزهو بأنفسنا عموماً، لأنّ هارون الرشيد كان مخاتلاً ويحبس من يقول له بأنّ ريشته ليست جميلة. أو لأنّ ولديه الأمين والمأمون تقاتلا على من سيرث جارية الوالد لأنّ زهوهما بنفسيهما لم يسمح لهما بتركها، فأشعلا حرباً كتب فيها الشعراء ما كتبوا.

لكن في الحقيقة، هكذا افتراضات وتحليلات – بغض النظر عن مدى صدق المعلومات التاريخية وأسطوريتها من عدمه – مجرّد «حكي مثقفين» لا أساس واقعي له.

Foto Steven Senne

العبيد جيدون... العبيد سيئون!

من المفيد هنا أن نعود إلى ما قلناه في الأعلى عن «البنية الفوقية» للإنسان، التي تحوي الأفكار والثقافة عموماً. أريد أن أختصر الشرح النظري الممل، وأعطيكم مثالاً قد يكون مفيداً:

في مرحلة من تاريخ البشر، كان من الطبيعي أن يكون لدى الإنسان عبدٌ يمتلكه مثل ما يمتلك أدوات المطبخ، وكانت الثقافة والأفكار لا ترى في ذلك عيباً أو عاراً. ثمّ في مرحلة تالية بات هذا الأمر عاراً وعيباً، وتغيرت «البنية الفوقية» للإنسان فيما يخصّ امتلاك عبد. 

ما هو السبب في هذا التغيّر؟ هل تغيّر تاريخ الإنسان؟ هل تغيّر شكله المخلوق عليه؟ السبب في ذلك باختصار: تغيّر البنية الاقتصادية التي كانت تغطي العبودية أخلاقياً، وتمنحها مبرراً لوجودها.

السوفييتي الحائز على نوبل بوريس باسترناك

المساواة أفضل

في كتاب عالميّ الأوبئة ريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت «لماذا العدالة أفضل للجميع»، قاما باستخدام عدد إحصاءات لا ينتهي من مصادر كالأمم المتحدة والبنك الدولي ... الخ، وتوصلا في النهاية إلى نتيجة جيدة: المجتمعات التي تسودها المساواة هي أفضل في كلّ شيء من تلك التي تفتقد للمساواة.

ما شأن هذا بما نتحدّث عنه؟

دعوني أسألكم على سبيل المقارنة: إذا طلبت منكم تعداد خمس شخصيات شهيرة تاريخياً من الاتحاد السوفييتي وهو أكثر المجتمعات التي وصلت إلى المساواة في التاريخ الحديث، ربّما ستقولون لي ستالين ولينين فقط، أليس كذلك؟

أؤكد لكم أنّنا لسنا الوحيدين، بل الكثير من الروس مثلنا لا يعرفون مثلاً نيكولاي سيميونوف، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء. أو بوريس باسترناك الحائز على جائزة نوبل للآداب، أو ليونيد كانتوروفيتش الذي يعدّ أحد أهمّ الاقتصاديين في العالم. وبأنّ هؤلاء في زمانهم كانوا متواضعين يرفضون الفشخرة وعدم الاندماج بشكل صحي في مجتمعاتهم.

بينما اليوم وفي غياب مجتمع المساواة السوفييتي، لم يعد الروس يمتنعون عن الفشخرة.

المساواة المجتمعية تجعل «الفشخرة» والزهو بالنفس بين أفراد هذا المجتمع، نمطاً بدائياً وغير متطوّر يقلل من قيمة صاحبه، فيسعى أفراد هذه المجتمعات لإظهار تميزهم وتقديرهم لذواتهم بطرق أكثر تطوراً وتقدماً. 

ليس هذا أمراً نختاره بأيدينا، بل هو تطوّر «بنيتنا الفوقية» الناتج عن تطوّر نمط الاقتصاد الذي يحكمنا.

البنية الاقتصادية تحكم البنية الفوقية

زبدة القول

برأيي أنّ سبب عدم تفشخر السويديين والإسكندنافيين، وعدم إظهارهم زهوّهم بنفسهم يعود إلى المساواة التي خبروها في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية. 

إنّها الفترة التي شهدت نشاطاً هائلاً من قبل الطبقة العاملة الإسكندنافية، وخاصة السويدية، كي تثبّت دعائم دولة الرفاه. ومن الطبيعي أن تحمل معها أخلاقاً حميدة تنعكس على عدم زهوهم بأنفسهم. 

إنّ قواعد اليانتيه – وهي التي اشتكى منها الكثير من الإسكندنافيين ودفعتهم للترحال، تشبه القواعد الموجودة في جميع أرياف العالم، ومنها الأرياف في العالم العربي حيث الجميع يعرفون بعضهم ويرصدون تحركات بعضهم البعض. ولو أنّها كانت السبب الحقيقي في تواضع الإسكندنافيين، لأدّت لتواضعنا أيضاً.

في النهاية، وإذا ما رصدنا السرعة التي تتراجع فيها المساواة المجتمعية في إسكندنافيا – ومعها خدمات الرعاية الصحية وتعويضات البطالة وشروط العمل والأجور، وخاصة في السويد والدنمارك، بالمقارنة مع فترات الازدهار، سنعلم بأنّه لن يطول فينا الأمر حتّى نسمع السويديين يقولون «أنت مو عرفان حالك مع مين عمتحكي».

لقد بدأ اليمين المتطرف بقولها بالفعل عندما يتحدث عن سويدية السويد، وعن أصالة السويد التي يجب الحفاظ عليها. ولكنّه يقولها الآن بشكل منمّق ليس إلّا.

الأمر كلّه يا عزيزي القارئ مرتبط بالبنية الاقتصادية القائمة، وتأثيرها على المدى الطويل والمتوسط فينا وعلينا... واعذروني على الإطالة

 

مقالات ذات صلة

مقال رأي :لماذا لا يقول السويدي "شكلك مش عارف مع مين قاعد بتحكي"؟؟
 image

مقال رأي :لماذا لا يقول السويدي "شكلك مش عارف مع مين قاعد بتحكي"؟؟