مقالات الرأي

مقال رأي: هل خسرت السويد مكانتها المميزة في العالم بعد الانتخابات؟

Aa

مقال رأي: هل خسرت السويد مكانتها المميزة في العالم بعد الانتخابات؟

 

غالباً ما يُشار إلى السويد باسم "أرض التسوية"، فقد اختارت البلاد في الثلاثينيات من القرن اعتماد طريق وسطٍ بين الشيوعية والرأسمالية، حيث عمل الحزب الاشتراكي الديمقراطي على تعزيز الديمقراطية، وإقامة دولة تتمتع بالرفاهية وتتصف بالطموح والنجاح وفقاً للمعايير الدولية. الأمر الذي وضع أساساً لهيمنةٍ اجتماعيةٍ ديمقراطيةٍ مطوّلة في السياسة السويدية. وبهذا، ترسخت صورة السويد، على هذا النحو، في جميع أنحاء العالم. ولكن إلى أيّ مدى تعتبر هذه الصورة دقيقة اليوم؟ لا سيما في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة التي أدّت إلى تخلّي الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بقيادة ماغدالينا أندرسون Magdalena Andersson، عن السلطة لصالح حزب المحافظين بقيادة أولف كريسترسون Ulf Kristersson، الذي يقود كوكبة يمينية جديدة.

لقد أدّى تأرجح السويد بين الكتلتين اليمينية واليسارية، في العقود الأخيرة، إلى خسارتها سمة الاعتدال. فبعد عام 1968، قامت الكتلة اليسارية بوضع الأجندة السياسية، في حين احتفظ الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالسلطة دون انقطاع من عام 1932 إلى عام 1976، مدعوماً بنسبة تصويت في الانتخابات وصلت إلى حوالي 45%. قامت البلاد بعد ذلك، وفي فترة التسعينات تحديداً، بتبني النيوليبرالية، حيث خضع القطاع العام إلى "تسويق" كبير، وتم الاستعانة بمصادر خارجية لدعم المؤسسات الخاصة، ولا سيما في مجاليّ الرعاية الصحية والتعليم. 

هذا وتُعدّ السويد اليوم الدولة الوحيدة في العالم التي تبنّت اقتراح الخبير الاقتصادي المحافظ ميلتون فريدمان Milton Friedman الذي ينصّ على الحصول على قسائم في المدارس، إضافة إلى امتلاكها عدداً كبيراً من المدارس التابعة للقطاع الخاص، والتي يرتبط عدد كبيرٌ منها بالبورصة، الأمر الذي أدّى إلى توسّع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. هذا وقامت السويد بتبني سياسة متحررة للغاية فيما يتعلق باللاجئين والهجرة في عام 2011 إلى أنها عدلت عن ذلك وتحولت إلى موقف أكثر تقييداً بعد تدفق اللاجئين في عام 2015.

حكومة أكثر تطرفاً

تميّزت السويد لفترة طويلة بعدم امتلاكها حزباً يمينياً شعبوياً ممثلاً في البرلمان. إلا أن حزب ديمقراطيو السويد، بعد انتخابات هذا العام، أصبح ثاني أكبر حزب في البلاد، وهو حزب ذي أصولٍ متطرفةٍ أكثر من نظرائه في العديد من البلدان الأوروبية الأخرى، وعلى وجه الخصوص، الاسكندنافية منها. فقد خاض الحزب تسعة انتخابات حصل في كل مرةٍ فيها على نسبة أصوات أكبر من سابقتها. هذا ويُعتبر دخول الحزب إلى البرلمان في عام 2010 بمثابة تغيّر في ميزان القوى السياسة في السويد. فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي، كان الانتصار في أغلب الأحيان حليفاً للحزب الاشتراكي الديمقراطي أو للكتلة الاشتراكية في المعركة بين اليسار واليمين. ومع مرور الوقت، أصبح الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إضافة إلى الأحزاب الأخرى في الكتلة اليمينية، يتمتع بميزة هيكلية. إلا أن السويد أصبحت تتمتع بأغلبية يمينية في البرلمان منذ دخول ديمقراطيو السويد إليه في شكل أحزاب ليبرالية محافظة، فضلاً عن كونه حزباً شعبوياً يمينياً قوياً.

قبل انتخابات هذا العام، تمت إعادة هيكلة المشهد السياسي، الذي اعتبره بعض علماء السياسة، على نطاق واسع في أوروبا، ظهوراً لانقسامٍ سياسي جديد قائم على الهوية، على رأس الانقسام الطبقي التقليدي بين اليسار واليمين. الأمر الذي أدّى إلى إحداث تغيرات في التكتلات على جانبي المحور الكلاسيكي من الانقسام. فعلى جهة اليمين، خاضت ثلاثة أحزاب من يمين الوسط، متضمنةً الحزب الليبرالي، الانتخابات، متعهدةً بتشكيل حكومة، مستندةً بذلك إلى المفاوضات التي أجرتها مع ديمقراطيو السويد بعد أربع سنوات فقط من رفض جميع الأحزاب التعاون مع الشعبويين اليمينيين. في حين اجتمعت، على الجانب الآخر، أحزاب الكتلة اليسارية مع حزب الوسط الذي أصبح في الآونة الأخيرة نيوليبرالياً تقريباً، والذي انضم إلى الجانب الأيسر لأن الحزب رفض تقلّد ديمقراطيو السويد أي نوع من السلطة في البرلمان. 

تحوّلٌ في مركز الثقل السياسي

على الرغم من فوز اليمين بفوارق بسيطة، إلا أن مركز الثقل السياسي تحوّل نحو القطب المحافظ في السياسة السويدية. فقد أدّى تمتع الدولة بالرفاهية إلى تشكيلها نوعاً من "فردانية الدولة"، التي تنطوي على تحرير الفرد من الاعتماد الاقتصادي على الأسرة والمجتمع المدني. كما تُعتبر الراديكالية الثقافية مبدئاً مترسخاً بقوة في الدول الاسكندنافية، وخاصة في السويد. فقد نشهد الآن تحولاً نحو الاتجاه المحافظ كردّ فعل ضد كلٍّ من التطرف الثقافي و"فردانية الدولة"، وكموقفٍ رافضٍ للعولمة بشكل عام والهجرة بشكل خاص كما حدث في العديد من البلدان. كما أن القضايا التي هيمنت على النقاش الانتخابي لم تكن لصالح اليسار، حيث تزامنت الحملة الانتخابية مع عدد كبير من جرائم القتل ومطالبة الشعب بفرض عقوبات شديدة، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بالهجرة والاندماج وارتفاع أسعار البنزين والطاقة، التي حاولت المعارضة توجيه أصابع الاتهام فيها إلى الحكومة والرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Putin. 

هذا وكان الحزب الاشتراكي الديمقراطي قد وضع ثلاث أولويات عامة له، تتمثل بدايةً باستعادة السيطرة على الرفاهية ومنع جني الأرباح في المدارس الخاصة، وبإعطاء الأولوية للبيئة، إضافة إلى محاربة العصابات. إلا أن التركيز العام كان موجّهاً نحو الجريمة وأسعار الكهرباء والبنزين، التي أصبحت إحدى أولويات الناخبين على مدار العام. وباختصار، فشل الحزب الاشتراكي الديمقراطي في إبراز القضايا الكلاسيكية للعدالة الاجتماعية ضمن النقاش الانتخابي، في حين لم يستطع حزب البيئة تركيز الانتباه على القضايا البيئية. بعبارة أخرى، كان المناخ السياسي في عام 2022 لصالح الأجندة المحافِظة، الأمر الذي حوّل السويد من بلدٍ كانت ترحب بالهجرة، إلى بلدٍ تراها مشكلةً بحدّ ذاتها، حيث قامت الأحزاب اليمينية بخوض الانتخابات واضعةً سياسة صارمة بهذا الشأن. 

زيادات نسبية ملحوظة 

من الجدير بالملاحظة أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي حصل على نقطتين مئويتين في الانتخابات، وانتهى بأكثر من 30% من أصوات الناخبين، في وقتٍ حصل فيه حزب البيئة على نسبة ملحوظة من الأصوات أيضاً على الرغم من مرور كلا الحزبين بفترتين وواجهتا فيهما صعوبات في وضع سياستيهما حيّز التنفيذ، نظراً للأغلبية اليمينية الساحقة في البرلمان. إلا أن التغيير في الحكومة كان نتيجةً لخسارة كلّ من حزبي اليسار والوسط لأصواتهما، الأمر الذي لم يُتح المجال أمام الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتقلّد إدارة أخرى، فضلاً عن انخفاض الدعم لجميع الأحزاب اليمينية التقليدية الثلاثة وارتفاع النسبة التي حصل عليها ديمقراطيو السويد والتي قُدّرت بثلاث نقاط مئوية حُسمت بها نتيجة الانتخابات. 

وعلى الرغم من نجاح الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعكس الاتجاه السلبي، إلا أنه ما زال بعيداً عن ذروته التاريخية. فلا يزال الحزب هو الأكبر بين أعضاء النقابات العمالية، إلا أن هذا الأمر قد يتغير في حال تم تضمين العمال غير النقابيين. هذا وفقد الحزب نسبة كبيرة من أصوات الناخبين في ضواحي المدن الكبرى ذات التركيزات العالية من المهاجرين، إلا أنه حصل على دعم المدن الكبيرة، مثل ستوكهولم.

حكومة موثوقة ومستقرة

تم النظر إلى زعيمة الحزب الجديدة، ماجدالينا أندرسون، على أنها سياسية موثوقة ومتزنة، مقارنةً بالزعيم الألماني للحزب الاشتراكي الديمقراطي، أولاف شولتز Olaf Scholtz ، إذ حصلت على درجة عالية من المصداقية بين الناخبين. فقد أدّى تغيير زعيم الحزب، في عام 2021، إلى شحن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بطاقة سياسية جديدة. فحقيقة تحوّل المدن الكبيرة إلى مدنٍ أكثر تقدمية، تُعدّ ظاهرة سياسية معروفة في عدد من البلدان. وبهذا، قام العديد من الناخبين في المدن السويدية الكبرى بالتصويت لصالح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في انتخابات عام 2022 بهدف منع ديمقراطيو السويد من اكتساب النفوذ السياسي، فضلاً عن الانتقاد الكبير للخصخصة في القطاع العام، بين ناخبي الطبقة الوسطى، والذي قد يكون له دور أيضاً. 

حصل ديمقراطيو السويد، من الناحية الأخرى، على دعم كبير في المناطق الريفية، التي خسر فيها حزب الوسط لناخبيه، في حين شهد الحزب الاشتراكي الديمقراطي انخفاضاً في الدعم في العديد من المدن الصناعية الصغرى. هذا ويُرجّح أن القلق الناجم في الريف عن ارتفاع أسعار البنزين والطاقة، قد لعب دوراً رئيسياً في نتيجة الانتخابات.

في ضوء ذلك، تم تكليف كريسترسون، زعيم حزب المحافظين، بتشكيل حكومة، ولكن بأغلبية ثلاثة مقاعد فقط على الكتلة اليسارية، إذ فقد المحافظون، في الوقت الحالي، دورهم كثاني أكبر حزب في البرلمان لصالح ديمقراطيو السويد. ومن المرجح أن تكون المفاوضات داخل الحكومة معقدة، كما من المتوقع أن تكون التوترات كبيرة بين الحزب الليبرالي وديمقراطيو السويد فيما يتعلق بالقيم والسياسات. ومع ذلك، يتمتع ديمقراطيو السويد بموقف تفاوضي قوي كأكبر حزب في الائتلاف اليميني الجديد.

الخلاصة

لقد شهدت السويد نجاحات متواضعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، مماثلة لنجاحات العديد من البلدان الأوروبية الأخرى في السنوات الأخيرة. فزيادة نقطتين مئويتين لصالحه يعتبر بلا شك خطوةً للأمام. إلا أن تحقيق النجاح سيتطلب المزيد من المكاسب والتحالفات داخل جمهور الناخبين والأحزاب الأخرى على حدّ سواء، فضلاً عن تمثيله منبراً سياسياً قادراً على بناء الجسور وتحقيق التوازن والعدل بين المدينة والريف، والطبقة العاملة والطبقة الوسطى، والصغار والكبار. الأمر الذي يُعدّ ضرورياً للحصول على تفويض تقدميّ لبرنامج سياسي يساريّ. 

أكتر هي واحدة من أكبر منصّات الأخبار السويدية باللغة العربية وأسرعها نمواً.

توفّر المنصة الأخبار الموثوقة والدقيقة، وتقدّم المحتوى الأفضل عبر النصوص والأفلام الموجّهة لعددٍ متزايد من الناطقين باللغة العربية في السويد وأجزاء من الدول الاسكندنافية وبقية العالم.

تواصل معنا

Kaptensgatan 24, 211/51 Malmö, Sweden
VD -  Kotada@aktarr.se

Tipsa -  Press@aktarr.se

Annonsera -  Annonsering@aktarr.se

للاشتراك بالنشرة الاخبارية

متابعة أخر الاخبار و المواضيع التي تهمك

2023 Aktarr جميع الحقوق محفوظة لمنصة ©