في صباحه الأخير، خرج بسام الشلح، البالغ من العمر 48 عامًا، إلى المدرسة كما اعتاد كل يوم، لكنه هذه المرة كان يغني. أنشد بصوته العذب أغنية عربية عن تساقط الثلوج، كما لو كان يودّع العالم بكلمات دافئة وسط برودة الشتاء. بعد ساعات قليلة، كان أحد ضحايا المجزرة المروّعة التي هزّت السويد وأودت بحياة عشرة أشخاص داخل مدرسة ريسبرسكا في أوربرو، في أسوأ حادث إطلاق نار جماعي في تاريخ البلاد. رحلة كفاح لم تكتمل بسام، الأب لطفلين، لم يكن مجرد مهاجر عادي، بل كان شخصًا مكافحًا جاء إلى السويد من سوريا بحثًا عن حياة أكثر أمنًا ومستقبل أفضل لعائلته. كان يعمل خبازًا وطاهيًا، حيث يبدأ يومه فجرًا في المخبز، يعجن الخبز ويجهّز الطعام، ثم يتوجه إلى دروس اللغة السويدية في مدرسة تعليم الكبار (SFI). بيير الحاج، زميله في العمل، ما زال عاجزًا عن استيعاب غيابه: "كان يبدأ عمله في الرابعة أو الخامسة صباحًا يومين في الأسبوع، ثم يذهب إلى المدرسة، ثم يعود للعمل مرة أخرى. كان مجتهدًا جدًا، يسعى لتعلم اللغة السويدية، وكان لديه خطط كبيرة للمستقبل." داخل المخبز، لا يزال أثره حاضرًا؛ أرغفة الخبز التي صنعها صباح ذلك اليوم ما زالت على الطاولة، ومريوله الأبيض لا يزال معلّقًا قرب الفرن. الزملاء، الذين اعتادوا سماع صوته وروح الدعابة التي كان يضفيها على المكان، ما زالوا في حالة صدمة وحزن عميق. آخر رسالة على تيك توك لم يكن بسام مجرد عامل مجتهد، بل كان أيضًا شخصًا مفعمًا بالحياة. كان نشطًا على تيك توك، ينشر مقاطع فيديو من عمله، ويشارك متابعيه بلحظاته اليومية، سواء أثناء خبزه لرغيف ساخن، أو تحضيره لوجبة شهية، أو حتى في طريقه إلى المدرسة. في صباح يوم الهجوم، وقبل 15 دقيقة فقط من وقوع المجزرة، نشر بسام آخر مقطع فيديو له، حيث قال فيه لمتابعيه: "أتمنى لكم يومًا سعيدًا." تتذكر إحدى صديقاته، والتي اعتادت متابعة فيديوهاته يوميًا: "كان دائمًا يبتسم، ينشر الفرح من حوله. لم يكن يعرف سوى العطاء والطاقة الإيجابية." لكن تلك التحية كانت الأخيرة. "كان يغني عن الثلج.. ثم رحل" في يوم الحادث، كان الطقس مثلجًا. وبينما كان بسام يسير إلى المدرسة، أرسل لصديقته على تيك توك وردة إلكترونية، ثم بدأ يغني عن جمال الثلج المتساقط. "تلك كانت آخر مرة سمعت صوته"، تقول صديقته بحزن. عندما سمعت بخبر إطلاق النار في المدرسة، كان أول من خطر ببالها هو بسام، فقد رأته في الصباح متجهًا إلى هناك. "كان شخصًا مجتهدًا منذ وصوله إلى السويد، لم يعرف الكسل أبدًا. كان دائمًا مبتسمًا ويبعث الفرح في كل مكان يذهب إليه." الصورة تتضح.. تفاصيل حياة ريكارد أندرسون منفذ هجوم أوربرو ضحايا من جنسيات مختلفة.. والمأساة واحدة بحسب الشرطة السويدية، أسفر الهجوم عن مقتل سبع نساء وثلاثة رجال تتراوح أعمارهم بين 28 و68 عامًا. وأكدت الشرطة أن جميع الضحايا كانوا من مقاطعة أوربرو، فيما لم يتم الإعلان رسميًا عن أسمائهم. لكن بعض الدول، من بينها سوريا والبوسنة، أكدت أن مواطنيها كانوا بين الضحايا. وكان سليم إسكيف، البالغ من العمر 28 عامًا، أول الضحايا الذين تم الكشف عن هويتهم في وسائل الإعلام. ثم جاء اسم بسام الشلح، ليكون الضحية الثانية التي يتعرف عليها الجميع، ليس فقط من خلال التقارير الصحفية، بل عبر بصمته التي تركها في قلوب من عرفوه. اقرأ أيضاً: كان يستعد لحفل زفافه.. شاب سوري بين ضحايا هجوم مدرسة أوربرو وداع بلا عودة اليوم، لم يعد بسام يشارك فيديوهاته على تيك توك، ولم يعد يغني في طريقه إلى المدرسة، لكن صوته لا يزال يتردد في تسجيلاته، وذكراه لا تزال حيّة في أرغفة الخبز التي أعدّها بيديه. زملاؤه، أصدقاؤه، ومتابعوه على وسائل التواصل، جميعهم لا يزالون يعيشون صدمة رحيله، بينما يبقى السؤال معلقًا: لماذا قُتل بسام، وهو الذي جاء إلى هذه البلاد بحثًا عن حياة آمنة؟ لقد غنى في طريقه إلى المدرسة.. لكنه لم يعد منها أبدًا.