شهدت وتشهد مدينة يوتوبوري على مدى العام الماضي موجة مستمرّة من المظاهرات المؤيدة لفلسطين، حيث تتجدّد المسيرات الداعمة لقطّاع غزة وعموم فلسطين ولبنان، والمطالبة بالتضامن مع الشعب الفلسطيني في وجه التصعيد الجاري. يطالب المتظاهرون في المدينة بمواقف واضحة من الحكومة السويدية تجاه القضية الفلسطينية، أبرزها الدعوة لوقف توريد السلاح السويدي إلى «إسرائيل»، والاستجابة لقرار محكمة العدل الدولية الذي أشار إلى احتمالية وقوع إبادة جماعية في غزة، والمساهمة في الضغط الأوروبي لإيقاف الحرب «الإسرائيلية» والتوصّل لحل.تستمر هذه المطالب في ظل أجواء عالمية محتدمة، حيث ينظر بعض المتظاهرين إلى هذه الخطوات كضرورة ملحة لوضع حد للعنف في غزة وحماية المدنيين الفلسطينيين. في هذا السياق، تشكّل المظاهرات الأسبوعية في يوتوبوري جزءاً من حملة أوسع داخل السويد، يتلاقى فيها المتظاهرون من جنسيات وأعمار مختلفة على حدّ سواء، وسط تزايد التضامن المجتمعي العالمي مع القضية الفلسطينية.رفع أعلام الفصائل وموقف المنظمينفي إحدى المظاهرات التي شهدتها يوتوبوري مؤخراً، تحديداً يوم الأحد 27 أكتوبر، شوهدت أعلام لفصائل لبنانية وفلسطينية، بما فيها حزب الله وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الأمر الذي قد يثير جدلاً واسعاً داخل السويد. واستباقاً لما قد تقوله الصحافة اليمينية، المناهضة للمتظاهرين أساساً، تواصلتُ أنا وخالد، أحد المنظمين الرئيسيين للمظاهرة، والذي أكّد بأنّ الخط الرسمي للمظاهرة لا يزال عدم تبني أي شعارات أو رايات فصائليّة.لكنّ خالد أضاف شارحاً الأمر: «نعم كان هناك أفراد داخل المظاهرة يحملون رايات فصائلية بشكل فردي، ولكنّهم كانوا أفراد وليس من حقنا أن ننزع منهم راياتهم. حتّى أننا أخبرنا الشرطة بهذا الأمر تفادياً لأي إشكال، وأخبرونا بدورهم بأنّهم ليس لديهم ما يفعلونه حيالهم». تفادياً للوقوع فرائس لليمينيين يرتدي الكثيرون الكوفيةعند العودة إلى القوانين السويدية، فإنّه يمكن منع شعارات ورموز محددة، فقط في حالة اعتبارها تهديداً ضدّ مجموعة عرقية، حيث ينصّ قانون العقوبات المتعلّق بالتحريض ضدّ المجموعات العرقية على معاقبة أيّ شخص يقوم، في بيان أو رسالة أخرى يتم نشرها، بالتهديد أو التعبير عن عدم الاحترام لمجموعة عرقية أو مجموعة أخرى من الأشخاص مع تلميحات إلى العرق أو لون البشرة أو القومية أو العرق.أعمال الاحتجاج: بين الرمزية والتصعيدلم تخلُ مظاهرات يوتوبوري من حوادث تصعيدية أخرى؛ ففي مظاهرات الجمعة الماضية 25 أكتوبر، شهدت المدينة حرقاً لأعلام «إسرائيل» وقطعاً للطرقات بشكل مؤقت، ممّا أثار حفيظة الشرطة ودفعها إلى التدخل واعتقال عدد من المتظاهرين والمنظمين. لكن على الرغم من الاعتقالات، لم يتمّ توجيه أي تهم للموقوفين، وتم إطلاق سراحهم بعد أربع ساعات من احتجازهم. يصف خالد، وهو من الذين تعرضوا للاعتقال، أنّ هذه الإجراءات تأتي «كجزء من محاولة لتخويف المتظاهرين وإثنائهم عن الاستمرار في حراكهم. رايات فصائلية فردية في المظاهراتالأمر الآخر الذي لجأ بعض المتظاهرين إليه هو تغطية وجوههم بالكوفية، وذلك تجنّباً لاستفزاز اليمين المتطرّف لهم، خاصة أنّ الفترة الأخيرة شهدت مضايقات كبيرة لهم. ناهيك عن أنّ الكوفية هي من الرموز التي تدلّ على أنّ الشعب الفلسطيني متجدد ولا يمكن هزيمته، مهما طال الزمن.الشرطة وأعمالهافي الحقيقة، ليس خالد هو وحده من يشتكي من تعامل الشرطة، فهناك محتجون آخرون في يوتوبوري وخارجها لديهم المشاعر ذاتها. ومن المهم أنّ نذكّر بأنّ المتظاهرين في يوتوبوري يشعرون بأنّ الشرطة تميّز ضدّهم بالمقارنة مع التجمعات والمظاهرات الأخرى المؤيدة «لإسرائيل».في حوار آخر مع طلّاب جامعة تشالمرز، تبيّن بأنّ إحدى الفتيات قد تمّ حرمانها من الجنسيّة السويدية لأنّ الشرطة ذكرت بأنّها شاركت في "نشاط إجرامي"، وهذا النشاط الذي تمّ وصفه بالإجرامي هو في الحقيقة التجمّع بشكل سلمي أمام مبنى اتحاد الطلبة، وترديد أغنية "لتحيا فلسطين" التي لم تعجب رئيس الاتحاد!. كما أبلغ طلّاب جامعة يوتوبوري عن سلوك مشابه، رغم أنّه أقلّ عدوانية، ضدّهم. الاعتقالات لم تدم إلّا ساعات ودون توجيه تهمعندما تواصلتُ مع الشرطة الأسبوع الماضي، استفهم عن رأيهم فيما يقوله المتظاهرون في السماح للصحفيين اليمينيين باستفزاز المظاهرات، وما هي الإجراءات التي يتخذونها كي يحفظوا الأمن ولا يضايقوا الأطراف في الوقت ذاته، جاءني ردّهم رتيباً وكأنّه ردّ معدّ مسبقاً، لم يناقش القضيّة بحدّ ذاتها وبخصوصيتها، وكأنّه جهاز خارجي لا دخل له بما يشتكي به المتظاهرون. بأيّ حال، واحتراماً للحياد الصحفي، هذا هو ردّ الشرطة كما جاء على لسان أنيكا ليندكفيست Annika Lindqvist من مركز الشرطة الإعلامي الإقليمي:«إن مهمّة الشرطة فيما يتعلّق بالمظاهرات هي ضمان قدرة الجميع على التعبير عن آرائهم وفقاً للقوانين المعمول بها، وتهيئة الظروف العمليّة لإجراء التجمّعات العامة. تتحمّل الشرطة مسؤولية النظام والأمن في الحدث وملاحقة أي جرائم. إن التقييمات التكتيكية والاستراتيجية حول هذا الموضوع ليست شيئاً نتواصل بشأنه. نحن نحلّ العديد من المواقف بالتحدّث إلى الأطراف لتجنّب الاضطرابات أو إصابة شخص ما».استمرار المسيرات والتطلعاتكل أسبوع، تتجدد المسيرات في يوتوبوري، وكأنّها رسالة بأنّ المتظاهرين لا ينوون التراجع عن دعمهم لقضية يرونها عادلة. في حين تسعى السلطات للتعامل مع الوضع بطرق غير مرضية لهم، تظلّ المظاهرات علامة واضحة على الاستياء المجتمعي المتصاعد، ووسيلة للتعبير عن تضامن شعبي مع الشعب الفلسطيني واللبناني.أثناء اعتقال خالد، أحد المنظمين للمظاهرةإنّ استمرار هذه المظاهرات ودعمها بين الأفراد يعكس رفضهم للصمت، ويبرز كجزء من محاولات الضغط الدولي لوقف التصعيد في غزة، إذ يبدو أنّ المتظاهرين في يوتوبوري لا يعترفون بالملل ولا الاستسلام، مواصلين نضالهم الأسبوعي لتحقيق مطالبهم.