أزمة السكن في السويد تتزايد، والأمر يتطلّب حلاً شاملاً يتجاوز الإجراءات التقليدية المتبعة. وفقاً لهيئة الإسكان والبناء Boverket، في ستوكهولم وحدها هناك حالياً أكثر من 800 ألف شخص في طوابير الانتظار، مع تخصيص عدد محدود فقط من المساكن للذين يعتبرون حالات طارئة. لهذا تواصلتُ مع يوناس نَدبو Jonas Naddebo رئيس مجموعة حزب الوسط في مدينة ستوكهولم لاستمع إلى رأيه في هذه المشكلة، خاصة أنّه يملك الخبرة لكونه نائب رئيس لجنة تخطيط المدينة في ستوكهولم، ويشغل أيضاً منصب مدير الاستدامة والتنمية الاجتماعية في شركة سكانسكا Skanska العملاقة للبناء.يرى يوناس ضرورة إلغاء نظام الطابور التقليدي واستبداله بنظام قائم على الحاجة، حيث يتم منح المساكن للأشخاص الأكثر احتياجاً، سواء كانوا بلا مأوى أو من الفئات الاجتماعية التي تواجه صعوبات جادة في الحصول على سكن. يقول: «السماح للطلب الفعلي بالتحكم يعني في المقام الأول إدخال الأشخاص الذين لا يملكون سكناً إلى السوق السكنية، بدلاً من النظام الحالي الذي يخدم من هم بالفعل في وضع سكني مستقر». ويضيف، «نعتقد أن هذا سيعزز المرونة المطلوبة إلى جانب زيادة البناء لحل أزمة السكن في ستوكهولم». تحرير أسعار الإيجارات: خطوة محفوفة بالتحديات؟يقترح يوناس تحرير أسعار الإيجارات لجزء كبير من الوحدات الجديدة – حوالي 70% – لتكون مرتبطة بالسوق، فيما يتم تخصيص 30% للوحدات بأسعار منظمة لضمان الاستدامة الاجتماعية. لا أدري إن كان حلّ تحرير الأسعار مناسباً، ففي حين أن هذا الاقتراح قد يحفّز القطاع الخاص على البناء بشكل أكبر، إلا أنّ هناك مخاوف بشأن تأثيره على التكلفة الشاملة للإيجارات. فقد أشار تقرير من المفوضية الأوروبية إلى أن أسعار المساكن في السويد قد ارتفعت بأكثر من 80% في العقد الماضي، متجاوزة النمو في الدخل بشكل كبير. في هذا السياق، يمكن أن يؤدي تحرير الأسعار إلى زيادة تكاليف السكن بشكل يتجاوز القدرة الشرائية للعديد من الأسر، مما يهدد بزيادة التفاوت الاجتماعي في الوصول إلى السكن المناسب.لكن ما يراه يوناس هو أنّ «تحديد الإيجارات بحريّة في 70% من البناء الجديد سيؤدي بالطبع إلى تحسين الظروف لبناء المزيد من الشقق»، ويشير أيضاً إلى أنّ هذه النسبة تمثل جزءاً من الحل لتحقيق التوازن بين تحقيق الربحية للمستثمرين وضمان توافر المساكن بأسعار معقولة للفئات ذات الدخل المحدود.التحديات المتعلقة بالعدالة الاجتماعيةيهدف يوناس من خلال نظام توزيع المساكن القائم على الحاجة إلى توفير العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق بين الفئات. ومع ذلك، فإن تجربة النظام الحالي للأولوية الاجتماعية Sociala förtur تظهر أنه قد فشل في تقديم الدعم اللازم، إذ لم يتم قبول سوى عدد قليل من الطلبات في العام الماضي. يقول يوناس: «النظام الحالي للأولوية الاجتماعية هو فاشل بشكل كبير. تقدّم 10,000 شخص للحصول على الأولوية في العام الماضي، ولم يحصل سوى 30 فقط على الموافقة». ومع أنّ في هذا السياق، يجب أن نذكر أنّ تجربة هلسنكي تعتبر نموذجاً ناجحاً لتوزيع المساكن على أساس الحاجة، إلا أنّ السويد تواجه تحديات مختلفة تتعلق بارتفاع أسعار الفائدة وتزايد ديون الأسر. فوفقاً لتقرير من المفوضية الأوروبية، فقد بلغت ديون الأسر 181% من الدخل المتاح في عام 2022، ممّا يزيد من الضغط المالي على الأسر ويقلل من قدرتها على سداد الإيجارات أو الاستفادة من فرص الانتقال إلى مساكن أفضل.نقاط ضعف أخرىأشار يوناس أيضاً إلى ضرورة إلغاء سوق التبادل الداخلي Bytesmarknad للعقود السكنية داخل قطاع الإسكان العام، بهدف تقليل التجارة بالأسود Svarta handeln في العقود السكنية وزيادة المرونة في سوق الإيجارات. أوضح يوناس: «منع تبادل العقود في السكن العام سيمنع استخدام هذه العقود كنوع من العملة في السوق السوداء التي تسود حالياً». ورغم أنّ هذا الاقتراح قد يحد من سوء الاستخدام، إلا أنه قد يواجه تحديات من قبل المستأجرين الحاليين الذين يرون في نظام التبادل وسيلة لتحسين أوضاعهم السكنية دون الحاجة إلى الانتظار لفترات طويلة.الدور الحكومي والاستثمار العاممن الجوانب التي ركّز عليها يوناس هو دور الحكومة في دعم الإسكان. ومع ذلك، فأنا أعتقد أنّ هناك جدلاً حول فعالية تحرير الإيجارات وما إذا كان هذا الحل يتماشى مع النموذج الاجتماعي السويدي الذي طالما اعتمد على استثمارات حكومية كبيرة في الرعاية والرفاهية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. هناك تقارير تشير إلى أنّ قلة الاستثمار العام في البنية التحتية السكنية وعدم التركيز على الصيانة يمثلان تهديداً للنموذج السويدي، حيث أنّ مثل هذه الاستثمارات تعدّ ضرورية لضمان الرفاهية العامة وتقليل الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.يقول يوناس في هذا السياق: «إذا زادت الحكومة من دعمها المالي، يمكن للشركات العامة والخاصة التي تأخذ على عاتقها المسؤولية الاجتماعية أن تبدأ في بناء مساكن بوتيرة مختلفة تماماً عما نشهده اليوم». هذا في الحقيقة يعكس التزامه بإيجاد توازن بين الدور الحكومي والتعاون مع القطاع الخاص لتحسين سوق الإسكان.في الختام…تعتبر مقترحات يوناس ندبو لإصلاح سوق الإسكان في السويد بداية للنقاش، ولكنها تواجه تحديات حقيقية فيما يتعلق بتأثير تحرير أسعار الإيجارات على العدالة الاجتماعية وإمكانية تحقيق توازن بين تحفيز القطاع الخاص وحماية الفئات الضعيفة. يجب على الحكومة والمجتمع ككل تقييم جميع الخيارات المتاحة لضمان تحقيق سكن مستدام وعادل لجميع السكان، في ظل ارتفاع التكاليف وتزايد الديون والتفاوتات الاقتصادية.