في 26 أكتوبر 2024، دعت أليس تيودريسكو Alice Teodorescu السياسية والنائبة السويدية في البرلمان الأوربي من حزب KD (أو أليشه تيودروسكو إذا ما استخدمنا لغة رومانيا حيث ولدت السياسيّة)، إلى سنّ قانون يفرض على الراغبين بأن يصبحوا مواطنين سويديين أن «… يتبنوا القيم اليهودية-المسيحية التي تقوم عليها الديمقراطية السويدية att ta till sig de judiskt-kristna värderingarna som den svenska demokratin vilar på». لكن ما الذي يدفع أليس، وغيرها من السياسيين اليمينيين، أن يتناسوا الحقائق التاريخية وينطقوا بمثل هذا الكلام؟ السبب هو ببساطة: الجنوح أكثر لليمين على أمل اجتذاب الجمهور الساخط الذي أقنعوه بأنّ المهاجرين واللاجئين هم سبب تردي أوضاعه. لنرَ كيف وصلتُ لهذه النتيجة.اللا حياد التاريخيإنّنا إذ ننطلق من أنّ المجتمع الحديث يجب أن يضمن لجميع البشر، مهما كان معتقدهم ورأيهم، أن يعبّروا عنه ويمارسوه بحريّة، بحيث لا يمسّوا بممارستهم حريّة الآخرين في معتقداتهم وآرائهم، فإنّنا لا يمكننا أن نقبل بأنّ هذه القيم، التي باتت من المسلّمات في الخطاب الإنساني هي نتاج «للقيم اليهودية - المسيحية» كما تحاول أليس، وغيرها من اليمينيين، أن يقولوا.لن يكون هذا المقال كافياً للغوص في التعقيدات التي مرّت بها أوروبا - والسويد ضمنها - حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، ولا ذكر النضالات التي خاضتها الشعوب لتحصل على حقوقها في التعبير وممارسة حرياتها. لكن يمكننا على سبيل الحفاظ على خفّة المقال، أن نذكر بعض الشخصيات البارزة من عصر التنوير الأوروبي - وهو العصر الذي بدأت أوروبا الحديثة تتشكّل فيه - من الذين واجهوا مشاكل لأنّهم وقفوا ضدّ المؤسسات الدينية والمحافظة، التي تحاول أليس أن تظهرها لنا وكأنّها هي التي قدّمت لأوروبا قيمها وحرياتها.لنذكر مثلاً فولتير، والذي كان مؤمناً بالله، ولكنّه كان رافضاً لقوننة أيّ تعاليم أو قيم دينية، عارفاً أنّ المؤسسات الدينية المحافظة (المسيحيّة بشكل خاص تبعاً لكونه أوروبي) تشكّل خطراً على حرية التعبير والقيم الديمقراطية.أو لنتحدّث عن باروخ سبينوزا، الذي درس اللاهوت اليهودي، وتمّ نبذه من قبل أهله والجالية اليهودية في هولندا بسبب أفكاره ومعتقداته. إنّها المؤسسة الدينية المحافظة ذاتها التي تريد أليس أن توحي لنا بأنّها شكّلت القيم السويدية.أم علينا أن نذكر الفنان السويدي Lars Ulstadius من القرن السابع عشر، الذي تمّ حبسه والحكم عليه بالموت، قبل أن يتمّ تخفيف الحكم للحبس مدى الحياة، لأنّه انتقد الكنيسة البروتستانتية السويدية؟في الواقع، إنّ فحوى ما تقوله أليس، ولو أنّها لا تقول ذلك بشكل حرفي، هو ذات ما قالته النازيّة الهتلرية في النقطة 24 الشهيرة في البرنامج النازي: الحركة النازية مسيحية، طالما أنّ هذه المسيحية هي "مسيحيّة إيجابية"!. للأسف، نتج عن هذه المفاهيم النازية معاداة السامية ومذابح الأقليات. فهل سينتج عن أفكار مثل "القيم اليهودية-المسيحية" في المستقبل شيء شبيه؟ لا ندري، علينا أن ننتظر ونرى كيف سيسير المجتمع والتنظيمات داخله لنعرف.لماذا يفعلون هذا؟في الواقع، لا أقصد من هذه الأمثلة الخفيفة أن اتخذ أي موقف ديني، أو لا ديني، بل أن أبيّن بأنّ ما تحاول النائبة أليس أن تقوله ليس دقيقاً تاريخياً. على أيّة حال، لا أحد يجادل في هذا القرن بأنّ حرية التعبير - الديني والشخصي - هي من الحقوق الملازمة للبشر والتي يجب الدفاع عنها وحمايتها.فلماذا إذاً يقوم السياسيون أمثال أليس بالاستمرار في محاولة تقسيم الناس بناء على أفكارهم المعتقدية؟ لماذا يصرّون على أن يستخدموا الانتماءات كوسيلة لتقسيم المجتمع السويدي؟ في الحقيقة هناك إجابة طويلة يمكن أن افصّلها في مقال منفصل. لكنّ الإجابة المختصرة: في ظلّ التراجع الاقتصادي الذي تشهده أوروبا، يحتاج هؤلاء إلى شمّاعه يعلّقون عليها لومهم، ومن أفضل هنا من اللاجئين والمهاجرين؟في اللحظة التي يدافع فيها هؤلاء عن حريّة التعبير في وجه "القوى الخارجية" التي تريد الضغط على السويد لحملها على منع حرق القرآن، يجب عليهم على أقلّ تقدير أن يدافعو عن حريّة التعبير للذين في الداخل ويؤيدون قرارات محكمة العدل الدولية، وقرارات الأمم المتحدة، والتي تعتبر السويد من المصوتين عليها.في النهاية، هناك واقع واحد على السويديين أن يتقبلوه ويتعاملوا معه: اليمين المتطرّف سيصبح أكثر تطرفاً، واليمين العادي سيصبح يميناً متطرفاً. لهذا، على السويديين والذين يعيشون في السويد ولم يصبحوا بعد سويديين، أن يتعاملوا مع هذا الواقع وأن يبحثوا عن الذين يقفون سياسياً ضدّ اليمين. لا يهم اسم الحزب هنا، بل المهم مشاريعه وسياساته.