أجرت منصّة "أكتر" السويد لقاءً خاصاً مع المتحدثة باسم الحزب ووزيرة المساواة والإسكان السابقة مارتا ستينيفي Märta Stenevi، وجّهت فيه أسئلة تفصيلية عن خطط ومواقف الحزب، آخذين بالاعتبار اهتمامات جمهور أكتر ومتابعيها، وذلك إمّا عبر صياغة وطرح أسئلتكم المباشرة، أو بمراقبة تعليقاتكم على القضايا التي تشغلكم. إليكم كامل اللقاء بعد إعداده وتعريبه ليناسب القارئ والمتابع العربي.
أجرى الحوار: قتادة يونس
عرّبه وحرر النص: عروة درويش

- لنقل بأنّكِ ستحصلين غداً على القدرة لتغيير أيّ شيء تريدينه في السويد، ما هو الشيء الذي ستقومين بتغييره؟
كنت لأجعل المجتمع متساوي لجميع السويديين، وكذلك للقادمين من الخارج – كالمهاجرين. فبالنسبة لي، مسائل المناخ هي مسألة متعلقة بالمساواة، لأنّ الناس الذين يتسببون بالتغييرات المناخية ليسوا ذاتهم الأشخاص الذين تصيبهم عواقب هذا التغيير المناخي. هذه هي قمّة اللامساواة.
فإن أردت التحدّث بشكل عام، فالأثرياء البيض هم الذين يتسببون بالتغيّر المناخي، بينما يعاني الفقراء في أجزاء أخرى من العالم من العواقب، وتحديداً الشباب والذين سيأتون بعدنا. لهذا كي نتمكن من الانخراط في مسائل التغير المناخي، فعلينا أن نركّز على المشاكل التي تتسبب بها. لهذا يجب أن تحظى بما يكفي من الأمن والسلامة والمساواة الاقتصادية، فهي قضايا ذات صلة وثيقة بالتغيّر المناخي.
هذه إجابة طويلة، فإن أردت تلخيصها: لو أمكنني تغيير شيءٍ واحد في المجتمع السويدي، سيكون منح الجميع فرص متساوية، فهذا برأيي الحلّ الوحيد الذي سيسمح بالتصدي لتحديات المناخ فيما يخصّ التغيّر المناخي.
- ما قلتِه جميل، لكن إن كنتِ القائدة العليا في الغد، فما الإجراءات التي ستتخذينها لتحقيق ذلك؟ هل ستعينين وزراء جدد؟ هل ستغلقين أحد البنوك؟ ما الذي ستفعلينه؟
سأبدأ من المدارس. سأؤمّن الموارد اللازمة لتغيير الوضع ومواجهة التحديات الاجتماعية-الاقتصادية. الكثير من الأطفال غير قادرين على تلقي التعليم الذي يحتاجونه. هذا هو المكان الذي يجب علينا البدء منه.
سأسعى أيضاً إلى إيجاد طريقة لتعزيز النظام العدلي، حيث تكون الشوارع أكثر أماناً، ويتمكن الناس من ترك أطفالهم في الشارع بأمان. سأخصص الموارد لأدوات إيقاف العنف، ولكن في الوقت ذاته تخصيص الموارد اللازمة لإيقاف اللامساواة التي تغذي العصابات والجريمة المنظمة، فأنا لا أؤمن بأنّه بإمكاننا فعل أحد الأمرين دون الآخر.
ستكون أولويتي تأمين فرص للأطفال وبيئة آمنة. ثمّ سأركّز على تحقيق مستقبل خالٍ من الوقود الأحفوري. وإيقاف واردات الغاز واليورانيوم من روسيا للمساعدة على إيقاف الحرب، فالسويد وأوروبا اليوم تدفع ملايين اليورو لروسيا، وهي بذلك تساهم في تمويل الحرب. هذا مربك بالنظر إلى أنّ الجميع يتحدثون عن إيقاف الحرب، لكن لا أحد يفعل شيئاً حيال تمويلها. هذا سيكون الجزء الثاني من تركيزي.
ثمّ هناك أمر لا يمكن القيام به في يوم واحد، لكن علينا البدء بالسعي لإيقاف التمييز في المجتمع السويدي، فهذا يمنع الناس من العمل بكامل إمكاناتهم. هذا هدر للموارد البشرية في السويد، وهذا يعيقنا عن التقدّم، ويعرّض مجتمعنا للخطر.

- سنصل خلال لقائنا لكامل ما قلتيه، لكن أريد منك الحديث عن رؤاكم فيما يخصّ الموارد في المدارس في المناطق التي يتمّ التمييز فيها، والمناطق المهمشة. ما هي وجهة نظركِ فيما يخصّ هذه اللامساواة في المدارس، والاختلافات في نوعية التعليم، التي تبدو واضحة للجميع بشكل مخيف.
حتّى نحقّق المساواة والعدل بين التلاميذ في المدارس، لا يمكن أن نعتمد على حلّ موحّد للجميع، فلدى الأطفال احتياجات مختلفة. يجب على المدارس في السويد أن تعوّض عمّا يفتقده التلميذ في المنزل. فبعض الأطفال قد يفتقدون الأمان، ولكن بالنسبة للكثير من الأطفال في السويد، فهم يفتقدون للغة والتعليم.
يعتمد هذا على مدى تعلّم الوالدين. فكلّما كان الوالدان متعلمان أكثر، سهل الأمر على المدرسة. وهنا يأتي عمل المدرسة ومهمتها في تعويض الفاقد. فالمدارس التي تحوي على عدد كبير من التلاميذ المنحدرين من أهل غير متعلمين، تحتاج للمزيد من الموارد، والمزيد من البالغين الذين يكونون بقرب التلاميذ.
لدينا أيضاً مثال الأطفال المنحدرون من أسر عانت من آثار الحرب. قد يكون الأطفال ولدوا هنا، لكن أهلهم عانوا من آثار الحرب. يأتي هنا دور المدرسة في التعويض عن جزء آخر. إن كنّا نفكّر بشكل جدي بأنّ لدى جميع الأطفال الفرصة لتلقي التعليم هنا في السويد، يجب علينا وضع الموارد هناك.
لا نفعل اليوم ما يكفي لذلك. هناك موارد في بعض الأماكن في السويد، لكنّها لا تكفي للتعويض. كما يجب أن نجعل هذا العمل جذاباً للمدرسين، لأننا نحتاج إلى أفضل المدرسين لتأدية المهمّة...
- اعذريني على المقاطعة، لكن عندما تقولين بأنّه غير كافٍ، هل تقصدين كميّة الأموال، أم الجهد الحكومي؟ أليس هناك ما يكفي من المال، أم أننا لا نريد القيام بذلك... وضّحي لنا من فضلك...
أعتقد بأنّ علينا أن ندرك بأننا عندما نستثمر في المدارس، وأعني استثمارات حقيقية، فهذا استثمار سيعود علينا بالنفع، أو «سيعيد إلينا أموالنا». لكن ضمن المشهد السياسي السويدي الحالي، فما نقوم باستثماره غير كافٍ.
إن نظرتم إلى الجدال حول الإجرام، فسنرى حدوث الأمر ذاته. لدينا الكثير من الأحزاب التي تريد مناقشة وضع الناس في السجن. نحن ندعم بشكل كلي وضع أفراد العصابات في السجن بالتأكيد، لكن علينا أيضاً أن ننظر في كيفيّة عدم وجود أعضاء عصابات جدد. فإن نظرنا إلى الماضي وإلى الناس التي تطلق النار في الشوارع، فسنجد بأنّ لدينا زيادة في الـ 15 عاماً الماضية، فنحن لم نضع ما يكفي من الموارد لإنقاذ هؤلاء الأطفال – الذين كانوا في مرحلة ما قبل المدرسة في ذلك الحين – من هذه التأثيرات. وإن لم نفعل ذلك اليوم، فسنحصل على النتيجة ذاتها.
لهذا أرى بأنّ المشكلة اليوم أننا قصار النظر بشكل كبير. فنحن نتحدّث عن مسؤولية الأهل، ولكن نحتاج للموارد حتّى يربي الناس الأطفال جميعهم بشكل جيّد. فإذا أخذنا مثال الأطفال المصابين باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD أو بالتوحّد المعطّل للوظائف، هؤلاء لا يتمّ تشخيصهم لأنّ أهلهم فقراء. لهذا علينا أن نؤمّن الموارد لكلّ طفلٍ على حدة.
أعتقد بأنّ هذه واحدة من أكثر المهام أهميّة، أن نبني المجتمع لأجل المستقبل. وإن لم نقم بهذه الاستثمارات الآن، فسندفع ثمن ذلك غالياً بسبب نقص هذه الاستثمارات في المستقبل.

- شكراً على هذه الإجابة. أريد الدخول أعمق هنا. كيف ستقومين بإحداث التوازن فيما تصفينه: «القيام بالأمرين معاً» فيما يخصّ الجريمة. نفهم أنّ تجارب أخرى، مثل الولايات المتحدة حيث أكبر نظام للسجون في العالم، لم تنجح. فما هي رؤيتك؟
الأحزاب تتحدث فقط عن زيادة العقوبة. يقولون بأنّ ذلك سيمنع الناس من ارتكاب الجريمة. يقولون بأنّ زيادة العقوبة من 6 أعوام إلى 8 ستردع الأشخاص عن ارتكاب الجريمة بشكل سحري، حيث يقول مرتكب الجريمة [تتحدّث بشكل ساخر]: «آه لقد شددوا العقوبة لهذا لن أرتكب الجريمة». لكن هذا ليس له صلة بالواقع.
عندما يرتكب الناس جريمة فيجب أن يكون هناك عواقب. فهذا العقد الأساسي الذي يجمع الدولة بالمواطنين. لكن الجزء الثاني من ذلك أنّ الشخص الذي ارتكب الجريمة وتمّ احتجازه، بحاجة لإعادة التأهيل. هذا الجزء ليس شائعاً اليوم، فهم يقولون بأننا ندلل المجرمين.
في مجتمع متحضر هذا الأمر أساسي. فنحن نريد أن نقطع العنف وليس أن نعاقب مرتكبي العنف. يعني هذا أن علينا أن نعيد تأهيلهم، وأن يكون لدينا الوقت الكافي لإعادة تأهيلهم. بالنسبة للشباب تكون العقوبة قصيرة جداً بحيث يخرجون قبل أن يتسنى الوقت الكافي لإعادة تأهيلهم. يدعوهم يخرجون من جديد ولديهم الميول العنفية، لهذا فنحن بحاجة لحبسهم فترة أطول لإعادة تأهيلهم.
علينا أن نكون قساة مع الجريمة، بحيث نعيد الثقة في المجتمع. علينا أن نثق بأننا آمنون في مجتمعنا. علينا أن نُبعد المجرمين عن الأطفال. لا يمكن السماح لمروجي المخدرات وأفراد العصابات ومطلقي النار بالتسكّع بالقرب من المدارس، فهذا سيخرّب الأطفال الذين نستثمر بهم. فنحن نستثمر في المدارس، ولا يمكن السماح للعصابات بحكم ساحات المدراس.
لكنّ الأمر هنا ليس مسألة إمّا أن نقوم بهذا، أو نقوم بذاك، فعلينا القيام بالأمرين معاً. علينا أن نضع مرتكبي الجرائم اليوم في السجن، لكن علينا أن نضمن تأهيلهم كي يكونوا جاهزين عند العودة إلى المجتمع.
إن لم نفعل هذا فسنجد أنفسنا في مأزق النظام الأمريكي، حيث يتمّ إبعاد الأشخاص ووضعهم على مسار الفساد، ثمّ يعودون إلى السجن مرّة أو مرتين، فيتم حبسهم للأبد تقريباً. نكون بهذا قد تكبدنا تكاليف هائلة كنّا لنضعها في الاستثمار في الأطفال بشكل بعيد المدى.
أرى بأنّ هذه مسألة منهجية شديدة الأهمية.

- لم أسمعك تتحدثين عن الثقافة فيما يخصّ هذه المواضيع. كمثال قلتِ بأنّ الكثيرين من المصابين باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة لا يتمّ تشخيصهم. هناك الكثير في السجن وخارج السجن ممّن لم يتمّ تشخيصهم بهذا الاضطراب، أو باضطرابات أخرى. عليك الانتظار في السويد أكثر من عامين ليتمّ تشخيصك. الثقافة هنا عامل هام، ونحن نسمع بشكل أقلّ عن هذا العامل بسبب طغيان مواضيع أخرى مثل الرعاية الصحية والمدارس...الخ. ما هو موقف حزبكِ من مسألة الثقافة؟
هل تعني بكلمة ثقافة أشياء مثل الأنشطة الثقافية كالمسرح...الخ، أم الثقافة بمعنى من يروّج لأنّ ثقافات محددة هي من تقوم بالأعمال السيئة؟
- ... بل أقصد الثقافة بالمعنى الواسع. أتحدّث عن المنظمات التي تقوم بالأعمال الثقافية، وتساهم في نشرها، وهي التي تحصل على مال أقل فأقل بشكل مستمر، فنحن نعلم بأنّ الثقافة – كالفنون مثلاً – عامل مهم في المساهمة في إبعاد المجتمع عن الجريمة. ما موقف حزبكِ من هذه المنظمات وما الذي تفعلونه لأجلها؟
نحن بحاجة لمجتمع مدني يقوم بالتواصل مع الناس. الأنشطة الثقافية مثل الرياضة والمسرح وغيرها شديدة الأهمية أيضاً في هذا السياق، وهي من مسؤولية المجتمع المدني.
أرى بأنّ السياق هو الذي يحكم رؤيتنا هنا. فمن تجربتي في مالمو، فالناس سئمت من وضع الأموال في «مشروع فني ما». ولهذا علينا أن نضع الأموال في المجتمعات المدنية وليس في مشاريع معينة، فالناس قد تأتي عاماً أو اثنين لحضور هذه المشاريع، ثم تسأم منها.
لهذا من المهم أن نضع الأموال في المنظمات والمجتمعات المدنية والكيانات الموجودة التي يقودها الناس، فهذا سيكون استثماراً طويل الأمد أفضل من الاستثمار في مشروع محدد.













