الكاتب نضال درويش لأكتر: لم تفرق الاسماك بين السوري واللبناني والفلسطيني , لكن جمعهم الفقر جميعاً. إن لم تذرف دموعك بعد، عليك ان تجول في مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ٥ دقائق وسيصادفك مقطع فيديو لأحد الناجين من مراكب الموت التي خرجت من لبنان مؤخراً، موت لم يفرق بين جنسيات الركاب، فجمعنا في الحزن بعد ان باعدتنا الطائفية والمذهبية والديكتاتوريات الدينية والسياسية.
السوري وقريبه اللبناني وصديقهم الفلسطيني جميعهم التصقوا ببعض وحاولوا أن ينقذوا بعضهم البعض. يروي لنا الناجي القابع في المستشفى كيف وجد طفلاً بحجم علبة المياه يطفوا على وجه المياه في البحر إلى جانبه، وكيف فك يد صديقه الذين حلموا سوياً كيف سيصلون الى بلاد يعيشون بها من غير ذل واهانة كرامات.
ناجٍ آخر يروي كيف ترك زوجته التي كانت تتوسل إليه قبل ٥ دقائق ان ينقذها كما وعدها عند زفافهم، أن يحميها من كل اخطار العالم وان يفديها بروحه، لكن لم يكن يتخيل أن يفقدها في بحر هائج يفتح فمه على مصراعيه ليقتات من الجثث ويعود ويلفظها على شواطىء البلدان التي لا تستطيع أن تسألهم عن جواز السفر حينها.
أيضاً عن خالد الذي اضطر أن يترك طفله (سنة ونصف) يطفو على وجه المياه ويقبله آخر قبلة قبل أن يستدير ويحاول انقاذ ما تبقى من اطفاله الاربعة، لان والدتهم لم تصمد كثيراً في المياه الباردة وهي التي لا تعرف عن غدر مياه البحر شيئاً سوى تلك اللحظات الحميمة التي كانت تجلسها هي وخالد على شواطئ لبنان يشاهدون غروب الشمس ويخططون للمستقبل، ويقف خالد ويقول لها: "هذا البحر لي… هذه الحياة لي ولاطفالي".
يضحكون ويلتفتون لجمع الاطفال والعودة الى المنزل لكن بعد التفاتة سريعة من خالد لم يجد منهم أحد، جميعهم - أطفاله وزوجته - لم يصمدوا في المياه وأصبحوا جثثاً عائمة على بحرٍ من المأساة. بحرٍ من فساد بلاد أصبحوا حكامها ورجال الدين فيها متخمين من سرقة اموال الفقراء.
لن يتحدث أحد عن علي الذي غرق بعد ثلاث ساعات انتظار في مياه اقليمية او دولية/ وما أسخف هذه التسميات لان المياه لم تعتد أن تسمى فهي مياه تدخل الى حيث تشاء عكس البشر الذين يحتاجون تأشيرات وجوازات سفر ليعيشوا على أرض,
قسموها بحدود وقسموا البشر فيها إلى أنواع
علي الذي وعد حبيبته أن يغادر لفترة قصيرة إلى بلاد يجد بها عمل ويعود ليأخذ حبيبته الى احضانه كي يدللها ويلاطفها ويعيشان قصص الحب ويتصوران ويشاركان صورهما مع أصدقائهما على مواقع التواصل وهما يغمران بعضهما البعض، يشتري لها ما تشتهيه من المأكولات ويهربان من أعين الناس الى مكان خفي ويقبلان بعضهما ويسترخيان على ضفاف نهر ما في هذه الأرض و يغازلان بعضهما تحت أشعة الشمس ...
ويحاول علي كتابة الشعر في حبيبته وهو الذي لا يعرف عن الشعر شيئاً لكنه يحاول ان يعبر بارقى الطرق عن مدى تعلقه وحبه لها، لكن علي غرق ولم تظهر جثته بعد وأهل علي وحبيبته ينتظرون أن يصلهم أي خبر عنه وأصبحت احلامهم ربما أن يروا جثته لآخر مرة قبل دفنه وان لا تكون قد التهمته الأسماك.
دفن الكثير في هذه العبارات، ولا نقصد في الدفن هنا الأموات فقط بل نقصد من هم على قيد الحياة الذين ينتظرون احبتهم، ربما قد تعلق بصخرة أو وصل الى بلد ولم يستطع الاتصال بهم بعد، لا يريدون أن ينعوه بل ما زالوا يأملون بالمعجزات، معجزة ما تظهره فجأة بينهم.
عن تلك التي تخرجت حديثاً، حلمت بفارس الاحلام يأتي فوق موج البحر على حصانه الأبيض يخطفها بعد أن كانت تنتظره ضاحكةً ويتعرف عليها فارسها من اللمعة في عيونها، لكن شاء القدر ان تكون عروساً في السماء تتغاوى وتختار فارساً من مكان اخر ...
أيضاً هناك قصص لا يمكن لنا تجنبها او التغافل عنها، كفاح الذي يعرف السباحة جيداً وانتبه بان المركب المدجج بالجثث الحية والتي ستموت بعد قليل ويصبح جزءاً منها، بخطر. ضم زوجته جيداً وقفز من هذا التابوت الكبير الذي زج به هو ومجموعة من ١٥٠ شخص،










