أصبحت الأحاديث التي يقولها اليمينيون المتطرفون، عن كون أعداد المهاجرين والهجرة في السويد تقلل الثقة، سواء بين السويديين أنفسهم، أو الثقة بالمؤسسات العامة والخاصة، أمراً مطروقاً ومكرراً لدرجة تحوّله إلى "واقع" لا يناقشونه في خطاباتهم أو أحاديثهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذا الأمر كذبة، وتستدعي الردّ عليها دون شك.
يحفزني لكتابة هذا المقال والتواصل مع الخبراء بشأنه، ما كتبته السياسية السويدية أليس تيودوريسكو Alice Teodorescu مؤخراً عن "تلاشي الثقة" باعتبارها "ذهب السويد". طبعاً تعتبر تيودوريسكو بأنّ عمليات إطلاق النار والتفجيرات الأخيرة هي فقط الجزء الذي تبيّن من المشكلة الأعمق، وأنّ التنوّع العرقي والمهاجرين يهددون الأمن السويدي، وكذلك الثقة السويدية بالديمقراطية.
ورغم الكثير من الكلمات المربكة، فتيودوريسكو تعبّر عن تيار حيّ ويصبح أحياناً أقوى في السويد: السويد دولة منفتحة، والمهاجرون يهددون هذا الانفتاح فتتقلص الثقة بالسويد.
بوتنام والكلمة التي أريد بها باطل
تواصلتُ مع البروفسورة يينا غوستافسون Gina Gustavsson من جامعة أوبسالا، والتي سأورد اللقاء معها في مقال منفصل نظراً لأهميته الشديدة. ولكنّ رأي البروفسورة عموماً في هذه الدعايات هو أنّها كاذبة. تقول غوستافسون في مقال يعلّق على الأمر بأنّ هذا الخطاب يعتمد على ما أطلقت عليه تسمية "مخلفات بوتنام"، ولا يقوم حقيقة على المعرفة والعلم.
روبرت بوتنام Robert Putnam هو عالم سياسية أمريكي اعتمد في شهرته على الإعلام غير البريء والمناهض للمهاجرين أكثر ممّا اعتمد في ذلك على الدراسات الحقيقية.
تشرح غوستافسون في مقالها بأنّ بوتنام أصبح شهيراً في السويد بعد خطابه في جامعة أوبسالا عام 2006، عندما صدم الجميع في خطابه الذي يعتمد على بيانات ضعيفة ولا تصلح للاعتماد عليها، وقال بأنّ "التنوّع يؤدي إلى تآكل الثقة، وبالتالي يعرّض الديمقراطية للخطر".
تقول غوستافسون في مقالها بأنّ خطاب بوتنام في أوبسالا أصبح أحد أكثر النصوص استشهاداً في العلوم السياسية، وليس السبب أنّ نظريته تصلح لتعبّر عن الواقع، بل على العكس من ذلك، بل لأنّ هناك بالفعل حالة من الخلاف حول المسألة، ويمكن للبعض الاستفادة من هذه الكلمات.
السخرية أنّ السويد مثال يستشهد به!
ربّما ممّا يثير السخرية أنّ مؤتمراً عُقد في شهر فبراير في جامعة أوكسفورد Oxford University في بريطانيا حول الديمقراطية، خرج بنتائج مخالفة تماماً لما يدعيه اليمينيون المتطرفون السويديون. حيث أنّ الباحثين المشاركين استعانوا بالعديد من الدراسات التي أظهرت بأنّ التنوّع لا يقلل بشكل منهجي من الثقة على الإطلاق. ولكن كما قلت، فما يثير السخرية أنّ الباحثين في المؤتمر استشهدوا بالتنوع الموجود في السويد للاستدلال على صحة الديمقراطية، وعلى كونها مثالاً مضاداً لما يقوله بوتنام.
تقول غوستافسون في مقالها تعقيباً على ذلك، بأنّ الثقة الاجتماعية الأدنى في السويد ليست لدى المهاجرين أو في الأماكن التي يشكل فيها المهاجرون نسبة مرتفعة، بل إنّ انعدام الثقة منتشرٌ بشكل كبير بين ناخبي الحزب اليميني المتطرف: "ديمقراطيو السويد SD".
الأمر الآخر الذي يجب أن يثير الاستغراب، أنّ أزمة الثقة في السويد هي أزمة الاعتقاد بغياب الثقة، وليس غيابها الفعلي. ففي مؤشر مؤسسة mchs يظهر أنّ نسب الثقة في السويد لدى الغالبية العظمى هي ذاتها كما كانت من قبل ولم تتغيّر، ولكن الذي تغيّر هو أنّ 98٪ من الذين تمّ استطلاعهم لديهم مخاوف من أنّ الثقة بالمجتمع في طريقة إلى الانخفاض.










