بعد أن كان الجميع يترقّب ملفّ انضمام السويد إلى الناتو في البرلمان التركي، لم تصادق لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي على ذلك. إنّها انتكاسة جديدة لطموحات الدولة الإسكندنافية في الانضمام إلى الحلف الغربي، بعد ما يقرب من 18 شهراً من الانتظار. تبرز رحلة السويد نحو الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) كمثال حي على التعقيدات التي قد تعترض طريق السياسة.

منذ أثار الصراع الروسي-الأوكراني مخاوف أمنية عميقة في أوروبا، اندفعت السويد إلى اتخاذ قرار تاريخي بترك سياسة الحياد طويلة الأمد. لكن هذا الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، إذ واجهت السويد مجموعة من التحديات والشروط، خصوصاً من تركيا، التي أثرت بشكل كبير على مسار هذه العملية.

في هذا المقال، سنروي قصة هذا المسار المتعرج، مع تسليط الضوء على التعقيدات الدبلوماسية والمناورات السياسية التي أحاطت برحلة السويد نحو محاولة احتمائها تحت مظلة الناتو.
بداية الرحلة
بدأت القصة في مايو (أيار) عام 2022، عندما اتخذت فنلندا والسويد خطوة غير مسبوقة بطلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، رداً على الزعزعة الأمنية التي أحدثها الهجوم الروسي على أوكرانيا في القارة الأوروبية، متجاوزتين بذلك عقوداً من سياستهما المعتمدة على الحياد وعدم الانحياز العسكري.
لكن من أجل تأييد العضوية، يتعين على جميع أعضاء الناتو البالغ عددهم 31 الموافقة على الطلب، وهو ما جرى باستثناء تلكؤ تركيا والمجر، حيث اتهمت تركيا السويد بإبداء تساهل ملحوظ تجاه مجموعات تعدّها أنقرة خطراً على أمنها الوطني، وذلك يشمل المقاتلين الأكراد وأفراد شبكة تحمّلها تركيا المسؤولية عن محاولة انقلاب فاشلة في 2016.
وللموافقة على الطلب، فرضت تركيا مجموعة من الشروط الصارمة تتضمن تصنيف المنظمات الكردية كجماعات إرهابية وتسليم نحو 130 شخصاً متهمين بالإرهاب أو بالضلوع في المحاولة الانقلابية لعام 2016. أما المجر فقد عطلت طلب السويد، متهمة الساسة السويديين بنشر الأكاذيب حول الوضع الديمقراطي في المجر، لكنها غيرت رأيها بعد ذلك، وأكدت أنها ستوافق على الطلب بحال غيّرت أنقرة موقفها من هذا الملف.
أحداث مثيرة للجدل تعرقل المفاوضات
وعلى إيقاع التوترات المتصاعدة، انعقدت في 28 يونيو (حزيران) من ذلك العام، في مدينة مدريد، مفاوضات حاسمة بين الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ وأردوغان، ورئيس فنلندا ساولي نينيستو وماغدالينا أندرشون، التي كانت آنذاك رئيسة وزراء السويد، لبحث هذا الموضوع وتذليل العقبات التي تحول دون انضمام أعضاء جدد للحلف.

وفي يناير (كانون الثاني) 2023، تعثرت المفاوضات مجدداً بين تركيا والسويد بشأن عضوية الحلف، وذلك على خلفية سلسلة من الأحداث الاستفزازية. منها، حادثة قام بها (راسموس بالودان)، الزعيم اليميني المتطرف لحزب هارد لاين الدنماركي، حيث أقدم على حرق نسخة من القرآن أمام السفارة التركية في ستوكهولم، بالإضافة إلى تعليق دمية تمثل أردوغان في إحدى ساحات المدينة خلال ما بدا أنه احتجاج محدود.

وزاد حادث آخر من فتور العلاقات بين البلدين، عندما أحرق عراقي يدعى (سلوان موميكا) نسخة من المصحف الشريف خارج المسجد الرئيسي في ستوكهولم، ما أثار غضب العالم الإسلامي، فيما وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات لاذعة إلى السويد، مؤكداً أنه لم يعد بإمكان السويد الاعتماد على "دعم" أنقرة.











