تستعد شركة Google لاستثمار ضخم جديد في السويد، لكن المشروع لا يثير النقاش بسبب حجمه الاقتصادي فقط، وإنما بسبب كمية الكهرباء التي قد يحتاج إليها.
ففي منطقة Torsboda الصناعية في Medelpad، بين Sundsvall وTimrå، تريد الشركة شراء مساحة صناعية واسعة لتطوير مركز بيانات مرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب المعلومات المنشورة، يحتاج الموقع في مرحلته الأولى إلى قدرة كهربائية تبلغ نحو 1,000 ميغاواط، ويمكن أن تصل لاحقًا إلى نحو 2,000 ميغاواط إذا تم تطويره بكامل الحجم المخطط له.
وكتبت صحيفة Dagens Nyheter أن المشروع قد يلتهم على المدى البعيد طاقة أكثر من مدينة ستوكهولم بأكملها.
أرض كانت مخصصة لمصنع بطاريات صيني
القصة بدأت قبل Google.
فمنطقة Torsboda الصناعية كانت جزءًا من طموحات كبيرة لجذب الصناعات الخضراء إلى شمال السويد، وكان من المقرر أن تستضيف مصنعًا لمواد الأنود تابعًا للشركة الصينية PTL، وهي مواد تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
لكن السلطات السويدية أوقفت ذلك الاستثمار لأسباب تتعلق بالأمن، وأنهت PTL لاحقًا اتفاقها حول الأرض، فبقي الموقع الصناعي الكبير بلا مستثمر.
ومن اللافت أن الجهة نفسها التي فحصت الاستثمار الصيني، وهي مفتشية المنتجات الاستراتيجية (ISP)، هي التي يجب أن توافق أيضًا على صفقة Google قبل أن تصبح نهائية.
ما الذي تقرر في 17 أغسطس؟
في 17 أغسطس/آب 2026 صوّت مجلسا بلديتي Sundsvall وTimrå لصالح بيع الشركة المالكة لمنطقة Torsboda الصناعية إلى Google.
في Sundsvall مرّ القرار بأغلبية 65 صوتًا مقابل 5، وكان حزب اليسار (Vänsterpartiet) هو الوحيد الذي عارض. وفي Timrå جاءت الموافقة بعد نقاش استمر نحو أربع ساعات.
لكن هذا ليس نهاية الطريق. فالصفقة ما زالت مشروطة، ويُتوقع أن تعود إلى المجالس البلدية مرة أخرى بعد إعادة التفاوض على بنود إعادة الشراء، إضافة إلى موافقة ISP، والتصاريح البيئية، وتصاريح البناء، واتفاق لتزويد الموقع بالكهرباء مع شركة E.ON.
Google تدفع أكثر من 900 مليون كرونة
وفق الأرقام المنشورة، تدفع Google أكثر من 911 مليون كرونة مقابل الشركة التي تملك Torsboda Industrial Park ومساحة تبلغ نحو 214 هكتارًا، منها نحو 140 هكتارًا مشمولة بمخطط تفصيلي.
وتتضمن الصفقة أيضًا سداد قروض قائمة بقيمة نحو 286 مليون كرونة، واستثمارات في البنية التحتية بقيمة نحو 924 مليون كرونة تشمل المياه والصرف والطرق والكهرباء.
وبذلك تتجاوز القيمة الاقتصادية الكلية المرتبطة بالصفقة 2.1 مليار كرونة.
لكن السؤال الأكبر ليس ثمن الأرض. السؤال هو: من أين ستأتي كل الكهرباء التي يحتاج إليها المشروع؟
ما معنى 2,000 ميغاواط؟
هنا من المهم التفريق بين القدرة الكهربائية وبين كمية الطاقة المستهلكة خلال سنة كاملة.
رقم 2,000 ميغاواط يشير إلى القدرة التي قد يحتاج إليها الموقع عند اكتمال تطويره، وليس إلى أن Google ستستهلك 2,000 ميغاواط بصورة ثابتة منذ اليوم الأول. كما يفترض أن يجري تطوير المشروع على مراحل.
لكن الحجم المحتمل هائل في كل الأحوال.
فمراكز البيانات الحديثة، وخصوصًا المستخدمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها، تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد والبنية التقنية المحيطة بها.
ولهذا أصبحت الكهرباء واحدة من أهم العوامل التي تحدد أين تبني شركات التكنولوجيا مراكزها الجديدة.
لماذا شمال السويد؟
السبب واضح.
شمال السويد يملك إنتاجًا كبيرًا من الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى إنتاج متزايد من طاقة الرياح. كما أن درجات الحرارة المنخفضة نسبيًا تساعد على تقليل الطاقة اللازمة لتبريد مراكز البيانات.
لكن وجود إنتاج كبير للكهرباء لا يعني أن الطاقة المتاحة غير محدودة. وهنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للجدل.
هل يمكن أن ترتفع أسعار الكهرباء؟
هذا بالضبط ما تحذر منه الجهة المسؤولة عن شبكة الكهرباء الوطنية.
فقد قال Daniel Gustafsson، رئيس قسم في Svenska kraftnät، إن إدخال منشأة بهذا الحجم إلى النظام دون إضافة إنتاج جديد للكهرباء سيؤثر على أسعار الكهرباء، ودعا إلى مطالبة المستثمر بالمساهمة بإنتاج خاص به.
وفي المقابل، يقول Christian Söderberg، المدير التنفيذي لشركة Torsboda Industrial Park، إن الاتفاق يتضمن التزامًا من Google بإعادة الاستثمار عبر إنتاج طاقة خاص بها لصالح منطقة Sundsvall.
وتوجد أيضًا مسألة أكثر تقنية: شبكة الكهرباء نفسها. فلا يكفي إنتاج الطاقة، بل يجب أن تكون شبكة النقل قادرة على إيصال هذه الكميات الضخمة إلى الموقع، وهناك نقاش مفتوح حول من سيتحمل تكلفة الاستثمارات المطلوبة في الشبكة.
لكن من المهم عدم القفز إلى نتيجة مسبقة: لا توجد حتى الآن معطيات تقول إن المشروع سيرفع فاتورة كهرباء الأسرة السويدية بمقدار محدد. هذا خطر واحتمال تجري مناقشتهما، وليس نتيجة حدثت بالفعل.
وفي المقابل.. فرصة اقتصادية ضخمة
المؤيدون ينظرون إلى الأمر بطريقة مختلفة.
فبعد تعثر عدد من المشاريع الصناعية الطموحة في شمال السويد، يمكن أن يعني جذب شركة بحجم Google استثمارًا طويل الأجل، وأعمال بناء، وطلبًا على الموردين والخدمات، وفرص عمل جديدة.
وتقدّر البلديتان وشركة Torsboda Industrial Park أن الاستثمار قد يوفر نحو 500 وظيفة مباشرة عند التشغيل، إضافة إلى وظائف أكثر بكثير خلال مراحل البناء. غير أن Google نفسها لم تؤكد رقمًا للوظائف.
وللمقارنة، بدأت Google هذا العام بناء أول مركز بيانات تابع لها في السويد في Horndal بمقاطعة دالارنا، وتقول الشركة إنه سيخلق نحو 100 وظيفة مباشرة بدوام كامل، وإن نحو 60 موردًا سويديًا يشاركون في أعمال البناء، كما أطلقت صندوقًا محليًا بقيمة 54 مليون كرونة.
وهذا يعطي فكرة عن النموذج الذي تستخدمه Google عند الدفاع عن استثمارات مراكز البيانات: الوظائف، والاستثمارات المحلية، والبنية التحتية، والنمو الاقتصادي.
لكن مشروع Torsboda يمكن أن يكون أكبر بكثير من مركز Horndal إذا تم تطويره بكامل طاقته.
لماذا تحتاج Google إلى كل هذه المراكز الآن؟
الجواب المختصر هو: الذكاء الاصطناعي.
فالطلب على البنية التحتية الحاسوبية يتزايد بسرعة مع توسع خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وتستخدم Google مراكز بياناتها لتشغيل خدمات مثل Gemini وGoogle Cloud وSearch وMaps وYouTube.
وحجم الاستثمار الذي تقوم به الشركة في شمال أوروبا حاليًا يوضح حجم السباق. ففي 9 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت Google عن استثمار لا يقل عن 13 مليار يورو خلال عامي 2027 و2028 في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والطاقة في فنلندا.
Google وصلت حتى إلى الطاقة النووية
التطور في فنلندا يكشف إلى أي مدى أصبحت الكهرباء مركزية في سباق الذكاء الاصطناعي.
فقد وقّعت Google اتفاقًا مدته 22 عامًا مع شركة Fortum مرتبطًا بمحطة Loviisa النووية، تشتري بموجبه نحو نصف إنتاج المحطة، بالتوازي مع استثمارات في طاقة الرياح والبطاريات والشبكة.
وأثار الاتفاق نقاشًا سياسيًا في فنلندا حول ما إذا كان التوسع السريع لمراكز البيانات قد يؤدي إلى ضغط على إمدادات الكهرباء وارتفاع الأسعار. الحكومة الفنلندية تقول إن الكهرباء كافية وإن الاستثمار سيكون مفيدًا للاقتصاد، بينما تطالب المعارضة برقابة وتخطيط أكبر لمراكز البيانات.
وهذا يجعل النقاش السويدي حول Torsboda جزءًا من سؤال أكبر يواجه أوروبا كلها: من أين سنحصل على الكهرباء اللازمة للذكاء الاصطناعي؟
وظائف أم كهرباء رخيصة؟
هنا تكمن المفارقة في مشروع Torsboda.
بالنسبة إلى Sundsvall وTimrå، قد يكون وصول Google فرصة لإحياء منطقة صناعية كان يُنتظر منها سابقًا جذب استثمارات كبيرة. وبالنسبة إلى Google، يوفر الموقع مساحة واسعة وقربًا من إنتاج كبير للطاقة منخفضة الكربون.
لكن بالنسبة إلى نظام الكهرباء، فإن مستهلكًا قد تصل قدرته إلى 2,000 ميغاواط ليس مشروعًا عاديًا.
لذلك لا ينبغي اختزال القضية في أحد اتجاهين. فالقول إن «Google ستأخذ كهرباء السويد» مبالغة لا تدعمها المعلومات الحالية، وفي المقابل فإن اعتبار المشروع مجرد استثمار تكنولوجي بلا تأثير محتمل على سوق الكهرباء يتجاهل حجمه الاستثنائي.
السؤال الحقيقي الذي ستحتاج السويد إلى الإجابة عنه هو ما إذا كان بالإمكان الجمع بين استثمارات الذكاء الاصطناعي والصناعة الجديدة، وبين الحفاظ على شبكة كهرباء قادرة على توفير طاقة كافية وبأسعار تنافسية للأسر والشركات الأخرى.
وإذا وصل مشروع Google في Medelpad فعلًا إلى كامل الحجم الذي تجري مناقشته، فقد يصبح واحدًا من أوضح الاختبارات لهذه المعادلة في السويد.