كان مصنع Arc International للزجاج مدعوماً بالطاقة الرخيصة التي ساعدت في تحويل الشركة إلى أكبر منتج لأدوات المائدة الزجاجية في العالم. ولكن تأثير القطع المفاجئ للغاز الروسي عن أوروبا، ألقى على الأعمال التجارية مخاطراً جديدةً، حيث ارتفعت أسعار الطاقة بسرعة كبيرة لدرجة أن الرئيس التنفيذي للمصنع نيكولاس هودلر Nicholas Hodler اضطر إلى إعادة كتابة توقعات الأعمال ست مرات في شهرين. وفي الآونة الأخيرة قام بمنج ثلث موظفي المصنع، البالغ عددهم 4500 موظف، إجازةً جزئيةً لتوفير المال، كما أن أربعةً من أفران المصنع التسعة ستكون معطلةً، أما الأنواع الأخرى فستحوّل من الغاز الطبيعي إلى الديزل، وهو وقود أرخص ولكنه أكثر تلويثاً.
في هذا الصدد، يقول السيد هودلر: «إنه أكثر المواقف التي واجهناها دراماتيكيةً على الإطلاق، وبالنسبة للأنشطة التجارية كثيفة الاستخدام للطاقة مثل أعمالنا، فهذا أمر معوق للغاية».
الجدير بالذكر أن المشكلة لا تقتصر على هذا المصنع وحده، فأسعار الطاقة المرتفعة تضرب الصناعة الأوروبية، ما أجبر المصانع على خفض الإنتاج بسرعة ووضع عشرات الآلاف من الموظفين في إجازات. ورغم التوقعات أن تكون هذه التخفيضات مؤقتة، إلا أنها تزيد من مخاطر حدوث ركود مؤلم في أوروبا. حيث هبط الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو 2.3% في يوليو/ تموز مقارنةً بالعام السابق، وهو أكبر انخفاض منذ أكثر من عامين.
من جانبه، أعلن صنّاع المعادن والورق والأسمدة وغيرها من المنتجات التي تعتمد على الغاز والكهرباء لتحويل المواد الخام إلى منتجات، من أبواب السيارات إلى الصناديق الكرتونية، عن حالة شد الأحزمة، وتوقف نصف إنتاج الألمنيوم والزنك في أوروبا، وفقاً لرابطة تجارة المعادن في أوروبا Eurometaux. ومن بين هؤلاء شركة أرسيلور ميتال Arcelor Mittal، أكبر شركة لتصنيع الصلب في أوروبا، والتي تعمل في صناعة الأفران العالية في ألمانيا. وخفّضت ألكوا Alcoa، وهي منتج عالمي للألمنيوم، ثلث إنتاجها في مصهرها في النرويج. وفي هولندا توقف نايستار Nyrstar، أكبر منتج للزنك في العالم، ويعد الإنتاج مؤقتاً حتى إشعار آخر. حتى ورق الحمّام لم يسلم من ذلك، ففي ألمانيا أعلنت شركة هاكلي Hakle، إحدى أكبر الشركات المصنعة لورق الحمام، أنها في حالة إفلاس بسبب "أزمة الطاقة التاريخية"، كما أثارت الزوبعة قلق سكان Arques، وهي بلدة ارتبطت ثرواتها بصناعة الزجاج لأكثر من قرن.
اليوم تُعد عمليات مصنع Arc هائلةُ، حيث تمتد على مساحة تقارب نصف مساحة سنترال بارك في نيويورك. ووصل حجمها إلى درجة أن المصنع يولّد بشكل غير مباشر 15,000 وظيفة أخرى أو نحو ذلك في المنطقة، بدءاً من مصانع الكرتون التي تغلف الزجاج الذي يصنّعه، ووصولاً إلى شركات النقل التي تنقل منتجاته، كما توجد مصانع Arc أخرى في الصين ودبي ونيوجيرسي.
في هذا السياق اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين Ursula von der Leyen الأسبوع الماضي تعويض الضرر عن طريق تحديد الإيرادات من مولدات الكهرباء منخفضة التكلفة وإجبار شركات الوقود الأحفوري على تقاسم الأرباح التي تجنيها من ارتفاع أسعار الطاقة، ولكن قد لا تتحق الحلول بالسرعة الكافية، حيث ارتفعت التكاليف بالفعل إلى ما هو أبعد مما يمكن للعديد من الشركات المصنعة تحمله، كما اقتربت آلاف الشركات الأوروبية من نهاية عقود الطاقة الثابتة الموقعة عندما كانت الأسعار أرخص، التي يجب تجديدها في أكتوبر/ تشرين الأول بالأسعار الحالية. وتبلغ أسعار الكهرباء للعام المقبل، والمرتبطة بتكلفة الغاز، حوالي 1000 يورو لكل ميغاواط/ ساعي في ألمانيا وفرنسا. في حين أن الغاز الطبيعي سجل أعلى مستوياته بنحو 230 يورو لكل ميغاواط/ ساعي.
من جانب آخر، نجت شركة Eschenbach من انتقال ألمانيا من الشيوعية إلى الرأسمالية بعد عام 1989، ولكن عندما تنتهي عقود الطاقة الخاصة بها مع نهاية هذا العام، ستواجه الشركة فواتير طاقة سنوية تبلغ 5.5 مليون يورو، أو ما يقارب ستة أضعاف ما تدفعه الآن. حيث صرّح مدير الشركة: «هذا يعني أنه يتعين علينا مضاعفة أسعارنا، عندها لن يدفع أحد مقابل الكؤوس والأطباق». والآن تجري الشركة، التي يبلغ عمرها 130 عاماً، محادثات مع سياسيين محليين حول حل محتمل، وتعد واحدةً من بين عشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في ألمانيا التي تخشى أن تضطر إلى إغلاق أبوابها للأبد.
في المقابل ستقوم شركة Aluminium Dunkerque أكبر منتج للألمنيوم في فرنسا، بالتخلي عن جزء من قوة العمل الذي يبلغ قوامه 620 شخصاً، وخفض الإنتاج بأكثر من 20%. حيث تواجه قفزةً محتملةً بأربعة أضعاف في تكاليف الطاقة. وقال الرئيس التنفيذي: «إن الوقت الذي نقضيه في التعامل مع قضايا الطاقة تضاعف بمقدار 10 مرات، ونأمل أن تكون الأزمة قصيرة الأجل، ولكن إذا استمرت فإن الصناعة الأوروبية ستكون في ورطة كبيرة للغاية».










