مقال رأي بقلم نعيم اسماعيل، كاتب ومحلل سياسي واجتماعي ومدرّس سابق للفلسفة وعلم النفس. الآراء الواردة فيه تعبّر عن كاتبها ولا تمثل بالضرورة موقف أكتر.
هذا الصباح، وأنا أنظر من أمام البناء الذي أسكنه، استوقفتني لوحة إعلانية تحمل عبارة قصيرة بالسويدية:
Vi gör Sverige till Sverige igen
«نُعيد السويد لتصبح السويد مجدداً».
والعبارة ليست اجتهاداً من مصمم لوحة؛ إنها الشعار الانتخابي الرسمي لحزب «ديمقراطيي السويد» (Sverigedemokraterna) في انتخابات 2026، ويتصدر موقع حملته الانتخابية. وأحد محاورها الثلاثة يحمل عنواناً لا يحتاج إلى تفسير: Svensk i Sverige، أي «سويديّ في السويد».
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد شعار يستثمر الحنين إلى الماضي؛ لكن شيئاً ما فيها يستحق التوقف:
ما الذي يعنيه أن نُعيد بلداً إلى ما كان عليه؟ وأيّ «سويد» يُفترض أنها كانت موجودة أصلاً حتى يمكن استعادتها؟
السؤال، في جوهره، يتجاوز هذا الشعار؛ إنه سؤال فلسفي وسياسي قديم يتجدد كلما دخلت المجتمعات مرحلة من التحول:
هل الهوية حقيقة ثابتة تنتظر أن تُستعاد، أم أنها عملية تاريخية مستمرة من التشكل وإعادة التشكل؟ وهل يمكن لمجتمع أن يعود إلى ماضٍ لم يكن، في واقع الأمر، متجانساً كما تصوره الذاكرة السياسية؟
في بلد يُعرف تاريخياً بهدوئه السياسي وثقافته القائمة على التوافق، أصبح سؤال الهوية في السنوات الأخيرة أكثر حضوراً في النقاش العام. ومع صعود التيار اليميني في السويد، وتحديداً حزب «ديمقراطيي السويد»، وتحوله إلى لاعب رئيسي في التأثير على الأجندة السياسية للبلاد، لم يعد النقاش متعلقاً بالهجرة والسياسة الاجتماعية فحسب، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقاً:
من يملك حق تعريف السويد؟ وما الذي يجعل ثقافة ما «سويدية» بما يكفي؟ وهل الانتماء إلى المجتمع مسألة أصل، أم لغة، أم قيم، أم سلوك، أم قدرة على الاندماج؟ وإذا كانت الهوية الثقافية هي المعيار، فمن يضع حدودها؟ ومن يقرر من هو قريب منها ومن هو بعيد عنها؟
هذه الأسئلة أكثر تعقيداً من ثنائية بسيطة بين «السويديين» و«المهاجرين». فالخطابات السياسية المعاصرة لا تتعامل دائماً مع الهجرة بوصفها كتلة واحدة؛ بل تُميّز، صراحة أو ضمناً، بين جماعات مهاجرة يُنظر إليها باعتبارها أقرب إلى الثقافة الأوروبية أو أكثر قابلية للاندماج، وأخرى تُقدَّم بوصفها أكثر اختلافاً ثقافياً أو أصعب اندماجاً.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. فإذا لم يعد «النقاء» نقاءً عرقياً بالمعنى القديم، وإنما أصبح نقاءً ثقافياً، فإن السؤال لا يختفي؛ بل يتغير شكله فقط: من يُحدّد الثقافة التي ينبغي أن يكون المهاجر قريباً منها حتى يصبح جزءاً كاملاً من «نحن»؟
الهوية بوصفها ذاكرة منتقاة
تأسس حزب «ديمقراطيي السويد» في السادس من فبراير/شباط 1988، وكان بين مؤسسيه وأبرز وجوهه الأولى أشخاص نشطوا سابقاً في تنظيمات قومية وعنصرية، من بينها حركة «حافظوا على السويد سويدية» (Bevara Sverige Svenskt). ومع تولي جيمي أوكسون قيادة الحزب عام 2005، خاض الحزب عملية «تطهير» طويلة هدفت إلى إبعاد الأيديولوجيا العرقية، واستبدالها بما يُعرف بـ«القومية الثقافية».
وهذا الانتقال من القومية العرقية إلى القومية الثقافية ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه يعكس تحولاً أوسع في الطريقة التي يمكن أن تُعرَّف بها الجماعة السياسية. فبدلاً من أن يقوم الانتماء أساساً على الدم والأصل البيولوجي، يصبح التركيز على الثقافة والتقاليد واللغة والقيم والذاكرة المشتركة.
ويمكن قراءة هذا التحول في وثيقة الحزب نفسها. فبرنامج المبادئ (Principprogram) الصادر عام 2011 يصف قومية الحزب بأنها «مفتوحة وغير عنصرية»، ويعرّف الأمة السويدية عبر «الولاء والهوية المشتركة واللغة المشتركة والثقافة المشتركة».
لكن الوثيقة ذاتها تقسم السويديين إلى فئتين. الأولى: «السويديون بالولادة»، وهم من وُلدوا في السويد أو تبنّتهم في سن مبكرة من والدين ناطقين بالسويدية ذوي هوية سويدية أو نوردية. والثانية: «السويديون المندمجون»، وهم أصحاب الخلفية غير السويدية الذين يتحدثون السويدية بطلاقة، ويرون أنفسهم سويديين، ويعيشون وفق الثقافة السويدية. وتضيف الوثيقة أن هذا الاندماج «ممكن ومرغوب» غير أنه غالباً «طويل ومليء بالمشكلات».
وهنا يصبح السؤال ملموساً لا نظرياً. فحين يوجد بابان للانتماء، أحدهما يُفتح بالولادة والآخر يظل مشروطاً بأداء متواصل يُقاس عليه صاحبه، فمن يقرر متى يكتمل هذا الأداء؟ ومن يملك سلطة القول إن فلاناً «اندمج بما يكفي»؟
ثم إن هنا مشكلة فلسفية لا يمكن تجاهلها: حتى الثقافة ليست مادة صلبة أو جوهراً ثابتاً. الثقافة ليست شيئاً يولد مكتملاً ثم ينتظر أن يحرسه المجتمع من الخارج؛ إنها عملية تراكمية، تتغير من جيل إلى آخر، وتتشكل من التفاعل بين البشر، ومن التجارة والهجرة والحرب والتزاوج والاقتباس والتأثر.
والهوية الثقافية، مثل الذاكرة الفردية، لا تستحضر الماضي كله، وإنما تنتقي منه عناصر معينة وتمنحها معنى في الحاضر. ولهذا فإن السؤال «ما هي السويد؟» لا يمكن أن تكون إجابته مجرد قائمة من التقاليد، لأن السؤال التالي سيكون دائماً: أيّ تقاليد؟ ومنذ متى؟ ومن الذي قرر أنها تمثل السويد أكثر من غيرها؟
ليست المسألة مهاجرين مقابل سويديين
وهنا ربما ينبغي التوقف عند نقطة يغفل عنها كثير من النقاشات حول القومية الثقافية. فالمشكلة التي يطرحها مفهوم «النقاء الثقافي» لا تتمثل بالضرورة في رفض كل اختلاف أو كل مهاجر؛ فالمجتمعات الأوروبية المعاصرة، بما فيها السويد، تتعامل مع الهجرة بوصفها ظاهرة مركبة، وقد تنظر إلى جماعات مختلفة من المهاجرين بطرق مختلفة.
قد يُنظر إلى مهاجر من ثقافة معينة باعتباره أكثر قرباً من القيم أو الأنماط الاجتماعية الأوروبية، بينما يُنظر إلى مهاجر آخر باعتباره حاملاً لقيم أو ممارسات يُعتقد أنها أكثر تعارضاً مع المجتمع المضيف.
وهنا ينتقل النقاش من «من هو سويدي؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «من يستطيع أن يصبح سويدياً؟» وهذا فرق جوهري.
فإذا كان الانتماء يقوم على المشاركة في اللغة والقانون والمؤسسات والحياة العامة والقيم الديمقراطية، فإن باب الانتماء يظل مفتوحاً من حيث المبدأ. أما إذا كان المطلوب، بصورة ضمنية، أن يتخلى القادم عن جزء من ذاكرته وثقافته كي يصبح مقبولاً، فإننا لا نكون أمام اندماج فحسب، بل أمام تصور هرمي للثقافة: ثقافة أصلية في المركز، وثقافات أخرى مطالبة بإثبات مدى قربها منها.
لكن التعددية الديمقراطية تقترح مساراً مختلفاً: ليس المطلوب أن يصبح الجميع متشابهين، وإنما أن يتشارك المختلفون في قواعد عامة ومؤسسات مشتركة تسمح لهم بالعيش معاً. وهنا تحديداً تصبح التعددية أكثر من مجرد شعار أخلاقي؛ إنها طريقة لإدارة التنوع.
ماذا يخبرنا الفايكنج؟
ومن هنا يمكن أن نعود إلى الفايكنج، لا بوصفهم «حجة» ضد حزب سياسي بعينه، وإنما بوصفهم نافذة تاريخية تساعدنا على اختبار الفكرة نفسها.
يمتزج تاريخ الفايكنج دائماً بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الأدبية؛ ولعل المفاجأة الكبرى للكثيرين أن الربط بين الفايكنج والقارة الآسيوية ليس اختراعاً حديثاً، بل ورد لدى أحد أشهر مؤرخي إسكندنافيا في العصور الوسطى، الشاعر والسياسي الآيسلندي سنوري ستورلوسون في القرن الثالث عشر، في كتابه الشهير Heimskringla.
ففي «ملحمة اليونغلينغ» (Ynglinga saga)، وهي أولى ملاحم الكتاب، يصوغ سنوري رواية مفادها أن الآلهة الإسكندنافية القديمة، وعلى رأسهم الإله «أودين» (Odin)، لم يكونوا كائنات خارقة في الأصل، بل ملوكاً وقادة بشراً جاؤوا من أرض تقع شرق نهر «تاناكفيسل» (نهر الدون، شمال البحر الأسود)، أرضٍ يسميها سنوري «آسالاند» أو «آساهايم»، وعاصمتها «آسغارد». وتقول السردية إن أودين قاد شعبه شمالاً عبر «غاردارِيكي» و«ساكسلاند» حتى استقر في الدنمارك ثم السويد، وإن معرفته وقدراته أثارت إعجاب السكان، حتى جرى تأليهه بعد موته.
ومن الإنصاف القول إن الباحثين المعاصرين لا يقرأون هذه الرواية بوصفها تاريخاً. إنها اجتهاد تأويلي من كاتب مسيحي في القرن الثالث عشر، حاول أن يفسّر الآلهة الوثنية بوصفهم بشراً عظاماً جرى تأليههم، وأن يربط اسم «الآسة» (Æsir) بـ«آسيا» ربطاً لغوياً أكثر منه تاريخياً.
لكن قيمتها لا تسقط بذلك، بل تنتقل إلى مكان آخر: حتى إحدى أقدم السرديات المكتوبة عن أصول الشمال، والتي كتبها رجل من داخل الثقافة الإسكندنافية نفسها، لم تجد حرجاً في وضع الشرق داخل قصة الأصل. ليس المقصود إثبات أن السويد «آسيوية»، فهذا استنتاج لا معنى له تاريخياً أو علمياً، وإنما الإشارة إلى أن الحدود الثقافية التي تبدو لنا اليوم واضحة وثابتة كانت، في الماضي، أكثر سيولة وتعقيداً.
الفايكنج لم يكونوا جماعة معزولة
ومع تطور علوم الجينات، أصبح بالإمكان الانتقال من الروايات والأساطير إلى قراءة آثار الحركة البشرية في أجساد الموتى أنفسهم.
ففي دراسة نُشرت في مجلة Nature عام 2020، حلّل فريق دولي بقيادة الباحث إسكه فيلرسليف (Eske Willerslev) من جامعة كامبريدج الحمض النووي لـ442 هيكلاً عظمياً من عصر الفايكنج، جُمعت من مواقع تمتد من غرينلاند إلى شرق أوروبا، وذلك بعد ست سنوات من العمل. وهي أوسع دراسة جينية أُجريت على هذا العصر حتى اليوم.
وجاءت النتائج مخالفة للصورة النمطية. فقد أظهرت تدفقاً جينياً واسعاً إلى إسكندنافيا من جنوب أوروبا ومن آسيا، قبل عصر الفايكنج وخلاله. وأظهرت أن الشعر الداكن كان أكثر شيوعاً بكثير مما توحي به الصورة الشائعة عن شمال أشقر.
غير أن أهم ما في الدراسة ليس هذا. أهم ما فيها أن «الفايكنغي» تبيّن أنه هوية ثقافية لا فئة جينية. فقد وُجد أفراد دُفنوا بطقوس الفايكنج الكاملة وفي قبور على طرازهم، دون أن يحملوا أي أصل إسكندنافي؛ إذ كانوا من السكان البيكت في اسكتلندا، تبنّوا ثقافة الفايكنج دون أن يختلطوا بهم جينياً. أي أن المرء كان يصير فايكنغياً بالانتماء إلى ثقافة، لا بالولادة داخلها. وقال فيلرسليف إن الدراسة «تغيّر تصورنا لمن كان الفايكنغي فعلياً»، وإن «كتب التاريخ بحاجة إلى تحديث».
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين مفهومين كثيراً ما يختلطان: الهوية الثقافية والأصل البيولوجي. فليس للجينات وحدها أن تحدد ما يعنيه أن يكون الإنسان سويدياً أو إسكندنافياً. لكن علم الوراثة يستطيع أن يقول لنا شيئاً مهماً عن التاريخ: البشر كانوا يتحركون، ويتزاوجون، ويتفاعلون، وأن الحدود التي نتصورها اليوم بين «الشعوب» لم تكن دائماً بالصلابة التي تمنحها لها المخيلة السياسية المعاصرة.
إن التنوع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً عن التاريخ؛ إنه أحد آليات التاريخ.
فضة بغداد في تربة غوتلاند
وإذا كانت الجينات تخبرنا قصة الحركة البشرية، فإن الآثار تخبرنا قصة الحركة الاقتصادية والثقافية.










